قَالَ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: سَمِعْتُ عِيسَى بْنَ عُمَرَ، يَسْأَلُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ} أَيْنَ خَبَرُهُ؟
فَقَالَ عَمْرٌو:"مَعْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ كَفَرُوا بِهِ {وَإِنَّهُ لِكِتَابٌ عَزِيزٌ} فَقَالَ عِيسَى: أَجَدْتَ يَا أَبَا عُثْمَانَ"
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ جَوَابَ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ} {أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} وَإِنْ شِئْتَ كَانَ جَوَابُهُ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لِكِتَابٌ عَزِيزٌ} ، فَيَكُونُ جَوَابُهُ مَعْلُومًا، فَتُرِكَ فَيَكُونُ أَعْرَبَ الْوَجْهَيْنِ وَأَشْبَهَهُ بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ مِمَّا انْصَرَفَ عَنِ الْخَبَرِ عَمَّا ابْتُدِئَ بِهِ إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنَ الذِّكْرِ؛ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَرَكَ الْخَبَرَ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ، وَجَعَلَ الْخَبَرَ عَنِ الذِّكْرِ، فَتَمَامُهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ وَإِنَّهُ لِكِتَابٌ عَزِيزٌ؛ فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ: إِنَّ الذِّكْرَ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لَمَّا جَاءَهُمْ، وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، وَشَبَّهَهُ بِقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} .
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مِمَّا تُرِكَ خَبَرُهُ اكْتِفَاءً بِمِعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَاهُ لَمَّا تَطَاوَلَ الْكَلَامُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} يَا مُحَمَّدُ، يَعْنِي التَّوْرَاةَ، كَمَا آتَيْنَاكَ الْفُرْقَانَ {فَاخْتُلِفَ فِيهِ}
يَقُولُ: فَاخْتَلَفَ فِي الْعَمَلِ بِمَا فِيهِ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنَ الْيَهُودِ {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}
يَقُولُ: وَلَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ فِيهِمْ أَنَّهُ أَخَّرَ عَذَابَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}