هذا استفهام على طريق التقرير، معناه: قد رأوا وعلموا أن اللَّه الذي خلقهم هو أشد قوة، والرسل - عليهم السلام - لم يكونوا يوعدونهم بقوى أنفسهم ولا بعذاب يكون منهم حتى قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، ولكن إنما كانوا يوعدونهم ويخوفونهم بعذاب ينزل من عند اللَّه، وبقوته وسلطانه يوعدونهم وقد عرفوا قوته وسلطانه؛ لذلك قال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) .
وقوله: (وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) .
دل هذا على أنهم قد كذبوا هودًا، وأنكروا آياته، وذلك قولهم: (يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) ، وإنه قد أتاهم بآيات رسالته.
وقوله: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ(16)
ذكر ما أهلكهم من العذاب، وهو الريح الصرصر الباردة؛ كذا قال أَبُو عَوْسَجَةَ.
وقوله: (فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) .
وهو ما ذكر في سورة الحاقة حيث قال: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ(6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا)، وقال في موضع: (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) . ثم اختلف في تأويلها:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (نَحِسَاتٍ) مشؤمات نكدات؛ وهذا قول الْقُتَبِيّ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (نَحِسَاتٍ) . أي: شداد.
وقيل: (نَحِسَاتٍ) من النحس، يقال نحس يوْمُنا، والنحس: الغبار في الأصل.
وقوله: (لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .
أي: عذابًا يذلهم ويفضحهم عند الخلق جميعًا.
وقوله: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ) .
عليهم أذل وأفضح وأشد من عذاب الدنيا.
وقوله: (وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ) .