ويدل لهذا أنه قال: {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] ولم يقل خلقها ثم فسر دحوه إياها بقوله: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا} [النازعات: 31] وهذا الجمع الذي جمع به ابن عباس بين هاتين الآيتين واضح لا إشكال فيه. مفهوم من ظاهر القرآن العظيم إلا أنه يرد عليه إشكال من آية البقرة هذه.
وإيضاحه أن ابن عباس جمع بأن خلق الأرض قبل خلق السماء ، ودحوها بما فيها بعد خلق السماء.
وفي هذه الآية التصريح بأن جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء لأنه قال فيها {هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السمآء} [البقرة: 29] الآية.
وقد مكثت زمناً طويلاً أفكر في حل في الإشكال حتى هداني الله إليه ذات يوم ففهمته من القرآن العظيم.
وإيضاحه: أن هذا الإشكال مرفوع من وجهين ، كل منهما تدل عليه أية من القرآن.
الأول: أن المراد بخلق ما في الأرض جميعاً قبل خلق السماء: الخلق اللغوي الذي هو التقدير لا الخلق بالفعل ، الذي هو الإبراز من العدم إلى الوجود ، والعرب تسمي التقدير خلقاً. ومنه قول زهير:
ولأنت تَفْري ما خلقت... وبعض القوم يخلُقُ ثم لا يَفْري
والدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير ، أنه تعالى نص على ذلك في سورة فصلت. حيث قال: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَاَ} [فصلت: 10] ثم قال: {ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] الآية.
الوجه الثاني: أنه لما خلق الأرض غير مدحورة وهي أصل لكل ، ما فيها كان كل ما فيها كأنه خلق بالفعل لوجود أصله فعلاً.