قال الرازي - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى:"إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ" [الأعراف: 54] : وهذا معنى ما يقوله المفسرون من أنه تعالى خلق العالَم في ستة أيام ليعلم عباده الرِّفق في الأمور والصبر فيها [5] .
كذلك خلق الله تعالى الإنسان مرحلة بعد مرحلة، وطَورًا بعد طور، وتلك حكمة بالغة؛ فكان خلق الإنسان في أتم صورة وأحسن تقويم؛ ليعلمنا الله تعالى كيف يكون الوصول إلى الكمال، وأنه لا يأتي دفعة واحدة، وتلك تربية خَلْقية (بفتح الخاء) .
ففي الخلق علمنا الله تعالى التمهل، والإعداد، والبدء بالأهم؛ كما قال تعالى في بيان ذلك في سورة فصلت:"قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ" [فصلت: 9 - 11] ، فكان البدء بالأرض، ثم تقدير الأقوات، ثم الاستواء، ثم لما أصبحت الأرض صالحة للحياة خلَق الإنسان.
وكذا في خلق الإنسان بدأ بذكر التراب؛ لأنه المادة الأولى والأساس في خلق الإنسان؛ قال تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ" [الحج: 5] .
أما في التربية الخُلُقية وأمر الهداية، فنجدُ أن القرآن الكريم لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة واحدة - كما طلب المشركون - ولكنه نزل مفرَّقًا حسب الوقائع والأحداث؛ ليسهُل حفظه وفهمُه، والوقوف على أحكامه، ومعرفة حدوده وتدبر آياته؛ قال تعالى:"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا" [الفرقان: 32] .