والوجه الثاني: أن تكون جملة {فَقَالَ لَهَا ولِلأرْضِ ائتنا طَوْعاً أوْ كَرْهاً} مستعملة تمثيلاً لهيئة تعلق قدرة الله تعالى لتكوين السماء والأرض لعظَمة خلْقهما بهيئة صدور الأمر من آمر مُطاع للعبد المأذون بالحضور لعمل شاق أن يقول له: ائت لهذا العمل طوعاً أو كرهاً ، لتوقع إبائهِ من الإِقدام على ذلك العمل ، وهذا من دون مراعاة مشابهة أجزاء الهيئة المركبة المشبَّهة لأجزاء الهيئة المشبه بها ، فلا قول ولا مقول ، وإنما هو تمثيل ، ويكون {طَوْعاً أوْ كَرْهاً} على هذا من تمام الهيئة المشبه بها وليس له مقابل في الهيئة المشبهة.
والمقصود على كلا الاعتبارين تصوير عظمة القدرة الإِلهية ونفوذها في المقدورات دَقَّت أو جلَّت.
وأما قوله: {قالتا أتينا طائعين} فيجوز أن يكون قول السماء والأرض مستعاراً لدلالة سرعة تكونهما لشبههما بسرعة امتثال المأمور المطيع عن طواعية فإنه لا يتردد ولا يتلكَّأ على طريقة المكنية والتخييل من باب قول الراجز الذي لا يعرف تعيينه:
امتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِي
وهو كثير ، ويجوز أن يكون تمثيلاً لهيئة تكوّن السماء والأرض عند تعلق قدرة الله تعالى بتكوينهما بهيئة المأمور بعمل تقَبله سريعاً عن طواعية.
وهما اعتباران متقاربان ، إلا أن القول ، والإِتيان ، والطوع ، على الاعتبار الأول تكون مجازات ، وعلى الاعتبار الثاني تكون حقائق وإنما المجاز في التركيب على ما هو معلوم من الفرق بين المجاز المفرد والمجاز المركب في فن البيان.
وإنما جاء قوله: {طَآئِعِينَ} بصيغة الجمع لأن لفظ السماء يشتمل على سبع سماوات كما قال تعالى إثر هذا {فقضاهن سَبْعَ سموات} [فصلت: 12] فالامتثالُ صادر عن جَمع ، وأما كونه بصيغة جمع المذكر فلأنَّ السماء والأرضَ ليس لهما تأنيث حقيقي.