أفتجعلون النقص مذهباً من كماله ، ثم لا تكتفون بخطأ واحد وتدعون أن الكمال في نفسه يجب أن يعد مذهباً من النقص ؟ أم الجديد هو ما يكتب به في الصحف تعني لأنك أنت تكتب في الصحف ... ؟
أما إننا لا ندفع أسلوبهم ، فهو على كل حال خير من العامية ، ولسنا نقول
إن كل الناس يجب أن يخاطبوا في كل أمور دنياهم ودينهم من فوق المآذن.
ولكن الخلاف بيننا وبين هؤلاء جميعاً ينحصر في أمر واحد وهو تفسير لكل
فروعه ، وذلك أن هؤلاء الكتاب لا يريدون أبداً أن تسمى الغلطة
باسمها ... ... . فإذا أخطاوا فلا تقولن أخطأوا ، ولكن قل: إنه صواب
جديد.
ما وراء الأكمة
حضرة الأستاذ العبقري نابغة الأدب وحجة العرب السيد مصطفى صادق
الرافعي نفع الله به.
أَراك قد استغربت قول إحدى الجرائد العربية الصادرة في أمريكا إنك لو
تركت"الجملة القرآنية"والحديثَ الشريف لكنت الآن المرجع الذي لا ينازع ، ولبذَّ مذهبك في البلاغة المذاهب كلها من قديم وحديث. -
ويحق لك ولغيرك وأَيمُ الله أن يستغربوا هذا التمني الدال على مرض
روحي عند بعض الناس ، لأنه قد يجوز أن إنساناً لا يعتقد بتنزيل القرآن ولكن يوجد عربي سليم الذوق لا يعتقد ببلاغة القرآن وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
ولعمري إن الأمر لكما قال ذلك الذي سأله سائل: هل يقال
(فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ) ؟
فأجابه: ويحك! هبك تتهم محمداً بأنه لم يكن نبياً ، أتتهمه بأنه لم يكن عربياً ؟
ولكنك لم تلبث أن فهمت مغزى هذه النزعة الغريبة ، وعبرت عما ظهر
لك في تلك الجملة الموجزة من المرامي والمقاصد البعيدة ، فقلت وأنت سيد
القائلين"فظهر لي في نور هذه الكلمة ما لم أكن أراه من قبل ، حتى لكأنها"
"المكرسكوب"وما يجهر به من بعض الجراثيم مما يكون خقياً فيستعلن ، ودقيقا فيستعظم ، وما يكون كأنه لا شيء ، ومع ذلك لا تعرف العلل الكبرى إلا به"."