ومن شرف هذه اللغة أن يتسع إهاب اللفظ فيها ليتضمن بالسبر والتأمل من وجوه التأويل ما يُبدي محاسنَه ويُظهر فضلَه.
أما من قل حَفْلُهم بما وراءه، وما يحمل في جعبته، فبما أصابهم من خمود النفس وخَيْسِ الخاطر.
(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(17)
قال البروسوي: حقيقة الاستحباب أن يتحرى الإنسان في الشيء ما يحبه، واقتضى تعديته بـ (على) معنى (الإيثار والاختيار) أي تضمن الإيثار.
واختيار الضلالة هو من عمى البصيرة. وقال صاحب الكشف في لفظ الاستحباب ما يشعر بأن قدرة اللَّه هي المؤثرة فإن المحبة ليست اختيارية باتفاق؛ وإيثار العمى حبا وهو الاستحباب من الاختيارية. اهـ.
وقال أبو حيان: فاستحبوا العمى على الهدى: أي اختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد.
وقال ابن عطية: فاستحبوا: عبارة عن تكسبهم في العمل، يدلك على ذلك قوله: (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .
وقال تاج الدين الحنفي ما قاله أبو حيان: أي اختاروا ... وقال الزمخشري: استحبوا أي اختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد. ومثله قال الرازي.
أقول: ولعل تضمين (استحب) معنى (اصطفى) أسوغ من (اختار وآثر) . لأن في الاصطفاء استقصاء ونخل مع الإيثار. فهؤلاء بعد اهتدائهم بآية الناقة ارتدوا إلى الضلال واستحبوا العمى، اصطفوه من أسوأ الموجود لانتكاس قلوبهم فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
أشد أنواع العمى هو الضلال بعد الهدى، والعمى بعد الاستبصار، وبذلك استحقوا صاعقة العذاب، وأي عذاب؟ عذاب الخزي والهون مما يليق مع استكبارهم. واختيار لفظ (استحب) بدلاً من (اصطفى) لأنه مدفوع بهوى النفس، ودليل على انطفاء نور القلب، وشاهد على تسلط الهوى عليه وإغلاق كل نافذة للتفكير لئلا تسترشد بضياء الحق وهذا من أشد العمى وأقبحه. ثم إن للتضمين مقاصد في اختيار اللفظ، وأسرارا في انتقاء العبارة يتوصل إليها بالفحص عنها والتأمل فيها وخيرها ما سافر فيها النظر.
(إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ...(40)