يُذكِّرنا الحق سبحانه بهذه الحقيقة التي طالما تغيب عن الأذهان، وكان يجب عليكم ألاَّ تغفلوا عنها، لأن المسألة ليستْ مجرد علم بشيء، إنما المسألة أبعد من ذلك، إنه احتياط لما سيحدث ولما سيأتيكم.
{إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ} [غافر: 59] أي: القيامة {لاَّ رَيْبَ فِيهَا} [غافر: 59] لا شكَّ، وما دام أن الساعة آتية لا شكّ فيها فلا بدَّ أن نستعدّ لها، فلو كنتَ قد خُلقت وتُركتَ هكذا وانفلتَّ من الله لكانَ لك أنْ تفعل ما تشاء، لكن ماذا وأنت لك مرجع إلى ربك ومردٌّ إلى خالقك، وموقفٌ للحساب والجزاء؟ إذن: لا مفر لك من أن تحمي آخرتك، وهي الغاية العظمى التي ليس بعدها بعد.
وقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [غافر: 59] أي: لا يعلمون هذه الحقائق أو يغفلون عنها، مع أن العقل المجرد لا بدَّ أنْ يهتدي ويعتقد بوجود الساعة والحساب والجزاء، لماذا؟ لأنك حين تنظر إلى الكون تجد المرتبط فيه بمنهج افعل ولا تفعل، ويسير وفْق هذا المنهج تجده مُؤدَّباً مع الكون مِنْ حوله لا يأتي منه فساد ولا تعدٍّ، وتجد المنحلَّ الذي انفلتَ من هذا المنهج مصدرَ إزعاج وفساد للكون من حوله، فهل يستويان في العقل مجرد العقل؟
هل يستوي المصلح والمفسد؟ مَنْ عربد في الكون وآذى خَلْق الله وأتعب الدنيا كلها ومَنْ أصلح الكون وأسعد الناس وأعانهم؟ ثم ألسْنَا في عملية التعليم نُجري للتلاميذ اختبارات آخر العام ونقول: هذا ناجح، وهذا راسب؟ ألسنا نضع في دنيانا قواعدَ للثواب والعقاب تقضي بمكافأة المحسن ومعاقبة المسيء؟
إذن: فلماذا ننكر الحساب يوم القيامة يوم يُجازى كُلٌّ بما عمل، حتى الناس الذين لا يؤمنون بالآخرة يؤمنون بمبدأ الثواب والعقاب، وعندهم عقوبات على الجرائم ضد المجتمع لتأديب الخارجين على القانون، فإذا كنتَ في دنياك جعلتَ العقوبات وجرَّمت بعض الأفعال وعاقبتَ عليها لتستقيم حركة حياتك الدنيا، فلم تنكر هذا المبدأ مع الله في الآخرة؟
أيُعقل أن تكون حركة الناس جميعاً في الدنيا من أولها إلى آخرها متروكة هكذا دون حساب، دون ثواب للمحسن وعقاب للمسيء.
والله، لو كان الأمر كما يدَّعُون وينكرون فقد فاز المنحرفون المجرمون، وربح المخالفون الخارجون على القانون والدين، حيث فعلوا ما فعلوا، وظلموا ما ظلموا، وأفلتوا بجرائمهم، وما خسر في هذه الصفقة إلا المؤمنون والمستقيمون الذين ألزموا أنفسهم بمنهج دون فائدة.