ثم امتنّ سبحانه على عباده بنوع من أنواع نعمه التي لا تحصى ، فقال: {الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام} أي: خلقها لأجلكم ، قال الزجاج: الأنعام ها هنا الإبل ، وقيل: الأزواج الثمانية {لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا} من للتبعيض ، وكذلك في قوله: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} ويجوز أن تكون لابتداء الغاية في الموضعين ، ومعناها: ابتداء الركوب ، وابتداء الأكل ، والأوّل أولى.
والمعنى: لتركبوا بعضها ، وتأكلوا بعضها {وَلَكُمْ فيِهَا منافع} أخر غير الركوب ، والأكل من الوبر ، والصوف ، والشعر ، والزبد ، والسمن ، والجبن ، وغير ذلك {وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ} قال مجاهد ، ومقاتل ، وقتادة: تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد ، وقد تقدم بيان هذا مستوفى في سورة النحل {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ} أي: على الإبل في البرّ ، وعلى السفن في البحر.
وقيل: المراد بالحمل على الأنعام هنا: حمل الولدان ، والنساء بالهوادج {وَيُرِيكُمْ ءاياته} أي: دلالاته الدالة على كمال قدرته ، ووحدانيته {فَأَيَّ ءايات الله تُنكِرُونَ} ، فإنها كلها من الظهور ، وعدم الخفاء بحيث لا ينكرها منكر ، ولا يجحدها جاحد ، وفيه تقريع لهم ، وتوبيخ عظيم ، ونصب {أيّ} بتنكرون ، وإنما قدم على العامل فيه ، لأن له صدر الكلام.
ثم أرشدهم سبحانه إلى الاعتبار ، والتفكر في آيات الله ، فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم التي عصت الله ، وكذبت رسلها ، فإن الآثار الموجودة في ديارهم تدلّ على ما نزل بهم من العقوبة ، وما صاروا إليه من سوء العاقبة.