لذلك رأينا كفار قريش تكبروا عن قبول الحق وعاندوا رسول الله، ولم ينطقوا أبداً بلا إله إلا الله ولو مجرد النطق بها ككلمة، لماذا؟ لأنهم يعرفون معناها تماماً ويعلمون مطلوباتها، ولو كانوا يعلمون أنها مجرد كلمة تُقال لَقالوها، لكنهم وهم العرب أصحاب هذه اللغة يعرفون أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود إلا لله، ولا سيادة ولا رَأْيَ إلا لله، ولا حكم ولا خضوع إلا لله، وكيف يقبلون بذلك وهم قد ألفوا السيادة على قبائل العرب؟
وكلمة {يُؤْفَكُ} [غافر: 63] من الإفك، وهو الكذب وقَلْب الحقائق، والكذب أنْ تقول قضية مخالفة للواقع فكأنك تقلب الحقيقة؛ لذلك قال تعالى:
{وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} [النجم: 53] المؤتفكة: هي القرى التي قَلَبها الله رأساً على عقب، كذلك الكذب يقلب الحقائق، فينكر الموجود ويثبت غير الموجود.
وقوله تعالى: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [غافر: 62] أي: تُصرفون عن الحق الواضح كأن هذا أمر فطري، فبالفطرة يصل الإنسان إلى الله، وما كان ينبغي أنْ يقف الإنسان أمام هذه القضية لأنها واضحة وعليها دليل، وكل تعاليم العقائد كذلك أمور فطرية أولاً، إنما ضَبَّب هذه الفطرة هوى النفس والغفلة وأغيار الزمن.
فما جاء به الدليل والعقيدة أمور يصل إليها العقل بالفطرة والطبيعة الصافية، بدليل أن الناس الذين لم يؤمنوا برسول فكَّروا في هذه المسائل، وتوصَّلوا إلى وجود الخالق سبحانه لما تأملوا آياته في كونه.
لذلك تجد مثلاً الفلاسفة الذين كانوا لا يحبون كلمة رسول ويقولون: نحن مهتدون بطبيعتنا ولسنا في حاجة إلى رسل، قالها سقراط، لذلك ناقشه فيها تلميذه (أرسطودين) وعرض عليه من المسائل والآيات كما يعرض الدين تماماً.
قال له: انظر إلى نفسك وإلى تكوينك في ذاتك، وتأمل ما فيك من جوارح، لا أقول لك: انظر إلى الآيات الكونية من حولك بل إلى نفسك وجوارحك في ذاتك، أليس لك حواس؟ قال: بلى، قال: اذكرها. قال: لي عين تبصر، وأذن تسمع، ولسان يتكلم، ويد تلمس .. إلخ.
قال: فلماذا خُلِق لك عينان وأذنان ولسان واحد، أليس وراء ذلك حكمة؟ تأمل هذه الحواس وتأمل الحكمة من خَلْقها على هذه الصورة، خلق لك عينين لاستيعاب المرئيات من هنا ومن هنا، وأذنين لاستيعاب المسموعات من هنا ومن هنا.