واعتبار الجملة مستأنفة أحسن من اعتبار اسم الجلالة بدلاً لأنه أنسب بالتوقيف على سوء شكرهم ، وبمقام تعداد الدلائل وأسعد بقوله: {الله الَّذِي جَعَل لكم الأرْضَ قَرَاراً} [غافر: 64] ، فتكون الجملة واقعة موقع التعليل لجملة {إنَّ الذين يستَكْبِرون عن عِبَادتي سيدخلون جَهنَّم دَاخِرِين} [غافر: 60] ، أي تسببوا لأنفسهم بذلك العقاب لأنهم كفروا نعمة الله إذ جعل لهم الليل والنهار.
وعلى هذه الاعتبارات كلها فقد سجلت هذه الآية على الناس تقسيمهم إلى: شاكر نعمة ، وكفورها ، كما سجلت عليهم الآية السابقة تقسيمهم إلى: مؤمن بوحدانية الله ، وكافر بها.
وهذه الآية للتذكير بنعمة الله تعالى على الخلق كما اقتضاه لام التعليل في قوله: {أَسْتَجِبْ} واقتضاه التذييل بقوله: {إنَّ الله لَذُو فَضْلٍ على النَّاسِ ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرون.} وأدمج في التذكير بالنعمة استدلال على انفراده تعالى بالتصرف بالخلق ، والتدبير الذي هو مُلازم حقيقة الإِلهية.
وابتدئ الاستدلال بدلائل الأكوان العلوية وآثارها الواصلة إلى الأكوان السفلية ، وهي مظهر النعمة بالليل والنهار فهما تكوينان عظيمان دالاّن على عظيم قدرة مُكونهما ومنظِّمهما وجاعلهما متعاقبين ، فنيطت بهما أكثر مصالح هذا العالم ومصالح أهله ، فمن مصالح العالم حصول التعادل بين الضياء والظلمة ، والحرارةِ والبرودة لتكون الأرض لائقة بمصالح مَن عليها فتنبت الكلأ وتنضج الثمار ، ومن مصالح سكان العالم سكون الإِنسان والحيوان في الليل لاسترداد النشاط العصبي الذي يُعييه عمل الحواس والجسد في النهار ، فيعود النشاط إلى المجموع العصبي في الجسد كله وإلى الحواس ، ولولا ظلمة الليل لكان النوم غير كامل فكانَ عود النشاط بطيئاً وواهناً ولعاد على القوة العصبية بالانحطاط والاضمحلال في أقرب وقت فلم يتمتع الإنسان بعمر طويل.