قلنا: لأن نعمة النهار لشبهها بالحياة أتم ، وأولى من نعمة الليل التي تشبه الموت ، فكانت أحق بالمبالغة إذ المقام مقام الامتنان ؛ ولأن الليل يوصف بالسكون لسكون هوائه وصفا مجازياً متعارفاً ، فسلوك سبيل المبالغة فيه يوقع الاشتباه ، كما أشير إليه في"الكشاف"، ثم إذا حملت الآية على الاحتباك.
وقيل: المراد جعل لكم الليل مظلماً لتسكنوا فيه ، والنهار مبصراً لتنتشروا فيه ولتبتغوا من فضل الله ، فحذف من الأول بقرينة الثاني.
ومن الثاني بقرينة الأول ، لم يحتج إلى ما ذكر.
كذا أفاده سعدي المفتي.
قال بعضهم: جعل الليل لتسكنوا فيه إلى روح المناجاة والنهار مبصراً لتبصروا فيه بوادي القدرة.
وفيه إشارة إلى ليل البشرية ليسكن أهل الرياضات والمجاهدات فيه إلى استرواح القلوب ساعة فساعة ، لئلا يمل من مداومة الذكر.
والتعبد وحمل أعباء الأمانة ، وإلى نهار الروحانية لجعله مظهراً للجد والاجتهاد في الطلب والتصبر على التعب ، وسكون الناس في الليل على أقسام.
أهل الغفلة يسكنون إلى استراحة النفوس والأبدان.
وأهل الشهوة يسكنون إلى أمثالهم من الرجال والنسوان.
وأهل الطاعة يسكنون إلى حلاوة أعمالهم وبسطهم واستقلالهم وأهل المحبة يسكنون إلى أنين النفوس وحنين القلوب ، وضراعة الأسرار واشتعال الأرواح بنار الشوق ، وهم يعدمون القرار في ليلهم ونهارهم ، أولئك أصحاب الاشتياق أبداً في الاحتراق:
هر كه از درد خدا آكاه شد
ذكر وفكرش دائما الله شد
{إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ} عظيم.
{عَلَى النَّاسِ} بخلق الليل والنهار لا يوازيه فضل ولا يدانيه.