(ونفيُ الاستواء بينهما يقتضي تفضيل أحدهما على الآخر كما قدمنا في قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} الآية في سورة [النساء: 95] ، ومن المتبادر أن الأفضل هو صاحب الحال الأفضل وهو البصير إذ لا يختلف الناس في أن البصَر أشرف من العمى في شخص واحد ، ونفي الاستواء بدون متعلِّق يقتضي العموم في متعلقاته ، لكنه يُخص بالمُتعلِّقات التي يدل عليها سياق الكلام وهي آيات الله ودلائل صفاته ، ويسمى مثل هذا العموم العمومَ العرفي ، وتقدم نظيرها في سورة فاطر [19] .
وقوله: {والذينَ آمنوا وعَمِلُوا الصَّالحاتتِ ولا المُسِيء} زيادة بيان لفضيلة أهل الإِيمان بذكر فضيلتهم في أعمالهم بعد ذكر فضلهم في إدراك أدلة إمكان البعث ونحوه من أدلة الإِيمان.
والمعنى: وما يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيئون ، أي في أعمالهم كما يؤذن بذلك قوله: {وعَمِلُوا الصَّالِحَاتتِ وَلا المُسِيء} ، وفيه إيماء إلى اختلاف جزاء الفريقين وهذا الإِيماء إدماج للتنبيه على الثواب والعقاب.
والواو في قوله: {والذين آمنوا} عاطفةٌ الجملةَ على الجملة بتقدير: وما يستوي الذين آمنوا.
والواو في قوله: {ولا المُسِيء} عاطفة {المسيء} على {الذين آمنوا} عطفَ المفرد على المفرد ، فالعطف الأول عطف المجموع مثل قوله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3] .
وإنما قدم ذكر الأعمى على ذكر البصير مع أن البصر أشرف من العمى بالنسبة لذات واحدة ، والمشبهَ بالبصير أشرفُ من المشبه بالأعمى إذ المشبه بالبصير المؤمنون ، فقدم ذكر تشبيه الكافرين مراعاة لكون الأهمّ في المقام بيانَ حال الذين يجادلون في الآيات إذ هم المقصود بالموعظة.
وأما قوله: {والذين آمنوا وعَمِلوا الصَّالحاتتِ ولا المُسِيء} فإنما رتب فيه ذكر الفريقين على عكس ترتيبه في التشبيه بالأعمى والبصير اهتماماً بشرف المؤمنين.