فتنكير: {كبر} للتعظيم ، أي كبر شديد بتعدد أنواعه ، وتمكنه من نفوسهم ، فالضمير البارز في {ببالغيه} عائد إلى الكبر على وجه المجاز بعلاقة السببية أو المسببية ، والداعي إلى هذا المجاز طلب الإِيجاز لأن تعليق نفي البلوغ باسم ذات الكبر يشمل جميع الأحوال التي يثيرها الكِبر ، وهذا من مقاصد إسناد الأحكام إلى الذوات إن لم تقم قرينة على إرادة حالة مخصوصة ، كما في قوله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم} [الزخرف: 32] أي جميع أحوال معيشتهم.
فشمل قوله: {ما هم ببالغيه} عدم بلوغهم شيئاً مما ينطوي عليه كِبرُهم ، فما بلغوا الفضل على غيرهم حتى يتكبروا ، ولا مطمع لهم في حصول آثار كبرهم ، كما قال تعالى:
{لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً} [الفرقان: 21] .
وقد نُفي أن يبلغوا مرادهم بصوغه في قالب الجملة الاسمية لإِفادتها ثبات مدلولها ودوامه ، فالمعنى ، أنهم محرومون من بلوغه حرماناً مستمراً ، فاشتمل تشويه حالهم إثباتاً ونفياً على خصوصيات بلاغية كثيرة.
ومن المفسرين من جعل مَا صَدْقَ: {الذين يجادلون في ءايات الله} هنا اليهودَ ، وجعله في معنى قوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} [النساء: 54] ، وارتقى بذلك إلى القول بأن هذه الآية مدنية ألحقت بالسورة المكية كما تقدم في مقدمة تفسير السورة ، وأيدوا تفسيرهم هذا بآثار لو صحت لم تكن فيها دلالة على أكثر من صلوحية الآية لأن تُضرب مثلاً لكل فريق يجادلون في آيات الله بغير سلطان جدالاً يدفعهم إليهم الكبر.
{ببالغيه فاستعذ بالله إِنَّهُ هُوَ السميع}
لما ضمن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن الذين يجادلونه فيما جاءهم به يحدوهم إلى الجدال كبرهم المنطوي على كيدهم وأنهم لا يبلغون من أضمروه وما يضمرونه ، فَرّع على ذلك أن أَمَرَه بأن يجعل الله معاذه منهم ، أي لا يعبأ بما يبيتونه ، أي قدم على طلب العوذ بالله.