وقد أثبت لهم الكبرَ الباعثَ على المجادلة بطريق القصر ليُنفَى أن يكون داعيهم إلى المجادلة شيء آخر غير الكِبْر على وجه مؤكد ، فإن القصر تأكيد على تأكيد لما يتضمنه من إثبات الشيء بوجه مخصوص مؤكِّد ، ومن نفي ما عداه فتضمن جملتين.
وجملة {ما هُمْ بِبالِغِيه} يجوز أن تكون معترضة ، ويجوز أن تكون في موضع الصفة ل {كبر.} وحقيقة البلوغ: الوصول ، قال تعالى: {إلى بلد لم تكونوا بالغيبة إلا بشق الأنفس} [النحل: 7] ويطلق على نوال الشيء وتحصيله مجازاً مرسلاً كما في قوله تعالى: {ما بلغوا معشار ما آتيناهم} [سبأ: 45] وهو هنا محمول على المعنى المجازي لا محالة ، أي ما هم ببالغي الكِبر.
وإذ قد كان الكبر مثبتاً حصوله في نفوسهم إثباتاً مؤكداً بقوله: {إنَّ في صُدُورهم إلاَّ كِبرٌ} ، تعيّن أن نفي بلوغهم الكِبر منصرف إلى حالات الكِبر: فإما أن يراد نفي أهليتهم للكبر إذ هم أقل من أن يكون لهم الكبر كقوله تعالى: {ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] أي لا عزة حقاً لهم ، فالمعنى هنا: كِبْر زيفٌ ، وإما أن يراد نفي نوالهم شيئاً من آثار كِبْرهم مثل تحقير الذين يتكبرون عليهم مثل احتقار المتكبر عليهم ومخالفتهم إياهم فيما يدعونهم إليه فضلاً عن الانتظام في سلك اتباعهم ، وإذلالهم ، وإفْحام حجتهم ، فالمعنى: ما هم ببالغين مرادهم الذي يأملونه منك في نفوسهم الدالة عليه أقوالهم مثل قولهم: {نتربص به ريب المنون} [الطور: 30] وقولهم: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت: 26] ونحو ذلك من أقوالهم الكاشفة لآمالهم.