ثم إن هذا العتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
{لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}
[التوبة: 43] لم نعلمه إلا من رسول الله نفسه، ولولا إخباره به ما علمناه، فهو صلى الله عليه وسلم لا يستنكف أنْ يعاتبه ربه، وأنْ يُصوِّب له اختياره.
وقد أوضحنا هذه النقطة في مسألة التبني التي كانت بين سيدنا رسول الله وزيد بن حارثة، وكيف أن الحق سبحانه لما أراد إبطالَ عادة التبني جعل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة نموذجاً لهذا الحكم الجديد.
فزيد كان عبداً عند خديجة ووهبته لرسول الله، ولما علم أهله بوجوده بمكة عند رسول الله جاءوا واستأذنوا فيه رسول الله، فما كان من رسول الله إلا أنْ خيَّره بين البقاء معه أو الذهاب مع أهله، فاختار زيدٌ البقاءَ مع رسول الله، فأراد صلى الله عليه وسلم أنْ يكرم زيداً لموقفه منه وحُبه للبقاء في صحبته فتبنّاه ونسبه إليه، فصار زيد من يومها يُعرف بزيد بن محمد.
لكن أراد الحق سبحانه أنْ يبطل هذه العادة، وأنْ يُحرّم التبني فأنزل:
{ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] .
فمعنى
{أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ} [الأحزاب: 5] أن ما فعله رسول الله قسط وعدل، لكن حكم الله أقسط وأعدل، فهل هذا التصويب يُغضب رسول الله؟ أبداً بدليل أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أخبرنا به ولو كتمه رسول الله ما عرفناه.
كذلك في قوله تعالى في أسرى بدر:
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} [الأنفال: 67] لما اختلفوا في أخذ الفداء من الأسرى، وعاتب الله رسوله بهذه الآية، لكن هل تغير الحكم بعد ذلك؟ لا بل ظل كما هو وقال تعالى:
{لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] .
فكأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكر هذه المسألة، خاصة وأن الحكم كما هو لم يتغير، إذن: نحن لم نعلم معتبة الله على رسوله إلا من الرسول نفسه، والمتأمل في عتاب الحق سبحانه لرسوله يجد أنه إما عتاب لمصلحته هو صلى الله عليه وسلم، أو عتاب لأن جانبَ الصواب الذي حكم به الحق سبحانه، كما في هذه المسألة التي ذكرناها.
أما العتاب لمصلحته صلى الله عليه وسلم فمثل قوله تعالى: