(لا تَحْسَبَنَّ الزَّمَانَ يُنْسِئُكَ الْقَرْضَ ... وَلَكِنَّهُ يَدًا بِيَدِ)
(يُعْطِيكَ يَوْمًا فَيَقْتَضِيكَ غَدًا ... مريرة من مريرة الحسد)
(يسرق الشَّيْءَ مِنْ قُوَاكَ وَإِنْ ... كَانَ خَفِيًّا عَنْ أَعْيُنِ الرَّمَدِ)
(حَالا فَحَالا حَتَّى يُرْدِيكَ ... بِالْكَبْرَةِ بَعْدَ الشَّبَابِ وَالْغَيَدِ)
إِخْوَانِي: إِنَّ الْعِبَرَ قَدْ وَضَحَتْ, وَإِنَّ النُّذُرَ قَدْ نَصَحَتْ, وَإِنَّ الْمَوَاعِظَ قَدْ أَفْصَحَتْ, وَلَكِنَّ النُّفُوسَ مِنْ سُكْرِهَا مَا صَحَتْ, أَيْنَ الْهَمُّ الْمُجْتَمِعُ تَفَرَّقَ فَمَا تَنْتَفِعُ, يَدْعُوكَ الْهَوَى فَتَتَّبِعُ وَيُحَدِّثُكَ الْمُنَى فَتَسْتَمِعُ, كَمْ زَجَرَكَ نَاصِحٌ فَلَمْ تُطِعْ, وَصَلَ الصَّالِحُونَ يَا منقطع, أما الذي عاقك هو مُخْتَدِعٌ, شَرَوْا بِمَا يَفْنَى مَا يَبْقَى وَلَمْ تَشْرِ وَلَمْ تَبِعْ, أَيْنَ تَعَبُهُمْ نُسِخَ بِالرَّوْحِ وَلَمْ يَضِعْ, تَلَمَّحِ الْعَوَاقِبَ
فَلْتلمحك العقل وضع, كَأَنَّهُ مَا شَبِعَ, مَنْ جَاعَ وَلا جَاعَ مَنْ شَبِعَ, أَيْنَ الْهِمَمُ الْمُجِدَّةُ, أَيْنَ النُّفُوسُ الْمُسْتَعِدَّةُ, أَيْنَ الْمُتَأَهِّبُ قَبْلَ الشِّدَّةِ, أَيْنَ الْمُتَيَقِّظُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ, عَاتِبْ نَفْسَكَ عَلَى قُبْحِ الشِّيَمِ, وَحِذِّرْهَا مِنْ مُثْمِرَاتِ الْحُزْنِ وَالنَّدَمِ, وَامْنَعْهَا تَخْلِيطَهَا فَقَدْ طَالَ السَّقَمُ, وَذَكِّرْهَا لِحَاقَهَا بِمَنْ قَدْ سَبَقَ مِنَ الأُمَمِ, وَاحْضَرْ مَعَهَا بَابَ الْفِكْرَ فَإِنَّهُ نِعْمَ الْحَكَمُ, وَنَادِهَا فِي الْخَلَوَاتِ إِلَى كَمْ مَعَ السُّبَاتِ وَكَمْ.
(رُبَّ حَتْفٍ بَيْنَ أَثْنَاءِ الأَمَلْ ... وَحَيَاةُ الْمَرْءِ ظِلٌّ يَنْتَقِلْ)
(لَوْ نَجَا شَيْءٌ تَحْتَ صَارِيَةٍ ... يُهْجَرُ السَّهْلُ وَيُجْبَلُ الْجَبَلْ)
(أَيْنَ مَنْ كان خفي شخصه ... مثل قد السير إلى عَضَّ قَتَلْ)
(أَيْنَ مَنْ يَسْلَمُ مِنْ صَرْفِ الرَّدَى ... حَكَمَ الْمَوْتُ عَلَيْنَا فَعَدَلْ)
(وَكَأَنَّا لا نَرَى مَا قَدْ نَرَى ... وَخُطُوبُ الدَّهْرِ فِينَا تَنْتَضِلْ)
(فَرُوَيْدًا بِظَلامٍ صُبْحُهُ ... فَهِيَ الأَيَّامُ وَالدَّهْرُ دُوَلْ)
انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...