والمعنى: أي يا قوم ما هذا النعيم الذي عجِّل لكم في هذه الحياة الدنيا إلا قليل المدى، تستمتعون به إلى أجل أنتم بالغوه ثم تموتون، وإن الآخرة هي دار الاستقرار التي لا زوال لها, ولا انتقال منها, ولا ظعن عنها إلى غيرها، وفيها إما نعيم مقيمْ وإما عذاب أليم.
40 -ثم بيّن كيف تحصل المجازاة في الآخرة، وأشار إلى أنّ جانب الرحمة فيها غالب على جانب العقاب، فقال: {مَنْ عَمِلَ} في هذه الدار الدنيا {سَيِّئَةً} ؛ أي: معصيةً من المعاصي كائنةً ما كانت {فَلَا يُجْزَى} في الآخرة {إِلَّا مِثْلَهَا} ولا يعذب إلا بقدرها، عدلًا من الله سبحانه، فخلود الكافرين في النار مثل لكفره ولو ساعةً لأَبديّة اعتقاده، وأما المؤمن العاصي فعقابه منقطع، إذ ليس على عزم أن يبقى مصرًّا على المعصية.
والظاهر: شمول الآية لكل ما يطلق عليه اسم السيئة، وقيل: هي خاصة بالشرك، ولا وجه لذلك، وفي الآية دليل على أنّ الجنايات سواء كانت في النفوس أو الأعضاء أو الأموال تغرم بأمثالها، والزائد على الأمثال غير مشروع {وَمَنْ عَمِلَ} عملًا {صَالِحًا} وهو كل ما طلب به رضي الله تعالى أيّ عملٍ كان من الأعمال المشروعة، سواء كان {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ} كان من {أُنْثَى} ذكرهما ترغيبًا لهما في الصالحات {وَهُوَ} ؛ أي: والحال أنه {مُؤْمِنٌ} بالله وبما جاءت به رسله جعل العمل عمدة، والإيمان حالًا للإيذان بأنه لا عبرة بالعمل بدون الإيمان, إذ الأحوال مشروطة على ما تقرّر في علم الأصول {فَأُولَئِكَ} الذين جمعوا بين العمل الصالح والإيمان {يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} حالة كونهم {يُرْزَقُونَ فِيهَا} ؛ أي: يُعطَون فيها من نعيمها {بِغَيْرِ حِسَابٍ} ؛ أي: بغير تقدير وموازنة بعملهم، بل أضعافًا مضاعفة، فضلًا من الله ورحمة.