39 -ثم زهّدهم في الدنيا التي قد آثروها على الآخرة، فصدّوا عن التصديق برسول الله فقال: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} يتمتّع بها أيامًا، ثم تنقطع وتزول؛ أي: تمتّع يسيرٌ وانتفاعٌ قليل لسرعة زوالها؛ لأنَّ الدنيا بأسرها ساعة، فكيف عمر إنسان واحدٍ، قال محمد بن علي الترمذي - رحمه الله -: لم تزل الدنيا مذمومة في الأمم السالفة عند العقلاء منهم، ولم يزل طالبوها مهانين عند الحكماء الماضية، وما قام داع في أُمة إلا حذّر متابعة الدنيا وجمعها والحب لها، ألا ترى إلى مؤمن آل فرعون كيف قال: {اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} ، كأنهم قالوا: وما سبيل الرشاد؟، فقال: {إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ ...} إلخ. يعني: لن تصل إلى سبيل الرشاد وفي قلبك محبّة للدنيا وطلب لها {وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} ؛ أي: الاستقرار؛ لكونها دائمة لا تنقطع ومستمرّة لا تزول لخلودها ودوام ما فيها، فالدائم خير من المنقضي، قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهبًا فانيًا، والآخرة خزفًا باقيًا .. لكانت الآخرة خيرًا من الدنيا، فكيف والدنيا خزفٌ فانٍ، والآخرة ذهب باقٍ.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نام على حصير، فقام وقد أثر في جسده، فقال ابن مسعود: يا رسول الله لو أمرتنا أن لنبسط لك لنفعل، فقال:"ما لي وللدنيا، وما أنا والدنيا إلا كراكب استظلّ تحت شجرة ثمّ راح وتركها"وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ...} الآية. قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة، وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إنّ الحياة الدنيا متاع، وليس من متاعها شيء أفضل من المرأة الصالحة، التي إذا نظرت إليها .. سرّتك، وإذا غبت عنها .. حفظتك في نفسها ومالها". وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"يا بنيّ أكثر ذكر الموت، فإنك إذا أكثرت ذكر الموت .. زهدت في الدنيا، ورغبت في الآخرة، وإنّ الآخرة دار قرار، والدنيا غرّارة، والمغرور من اغْترّ بها".