وجائز أن يكون وإن خاطبهم بما ذكر من سوء الصنيع والتكذيب، إنما يخبر عن صنيع آبائهم وأوائلهم فيحذرهم عن مثل صنيع أُولَئِكَ من التكذيب لهم والرد لأدلتهم، والقول بعد ذهابه من بينهم، والكذب على اللَّه: إنه لم يبعث رسولا؛ يقول: إياكم أن تكذبوه وتردوا آياته وحججه، ثم تقولوا إذا مات موسى: لن يبعث اللَّه من بعده رسولا، كما قال أوائلكم: إذا مات يوسف: لم يكن من بعده رسول بقولهم: (حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا) ويشبه أن يخرج الآية على هذا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ) .
فقد ذكرنا تأويله من وجهين فيما تقدم.
ثم قوله: (حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا) . يخرج من وجهين:
أحدهما: آمنوا به، وأنكروا رسالة غيره بعده بقولهم: لن يبعث اللَّه من بعده رسولا.
والثاني: أي: أنكروا رسالته في حال حياته ولم يؤمنوا به، فإذا هلك أنكروا أن يكون هو مبعوثًا إليهم رسولا، فيحذر هَؤُلَاءِ صنيع أُولَئِكَ ألا يكونوا كأُولَئِكَ آمنوا به وأنكروا رسالة غيره من الرسل بعده.
أو يقول: لا تكونوا كأُولَئِكَ يكذبونه ما دام حيًّا، فإذا هلك يكذبون رسالته، يحذرهم سفه أوائلهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ(35) .