تعم الرحمة إلَى الجمادات أَيْضًا، ولعل هذا عند من الإغراق فعلم أن الإغراق في صفة
الرحمة لا في العلم لأن جعل ذاته تَعَالَى كأنها عين العلم والرحمة للمُبَالَغَة في العموم إنما
هو بالنسبة إلَى الرحمة، وأما العلم فلا ريب في عمومه ولذا لم يجعل قَوْلُه تَعَالَى:(وسع
كل شيء علمًا)من هذا القبيل.
قوله: (لأنها المقصودة بالذات هَاهُنَا) لأن المقام طلب الْمَغْفرَة وطلب التوفيق عَلَى
التَّوْبَة وهو طلب الرحمة، ولذا قال في أوائل السورة بصفات الرحمة إشَارَة إلَى قَوْله(غَافِرِ
الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ [شَدِيدِ الْعِقَابِ] ذِي الطَّوْلِ)قوله بالذات إشَارَة إلَى أن العلم هُوَ المقصود للتنبيه عَلَى
أنه عالم بمن يستحق بالرحمة والْمَغْفرَة ولذلك قال هَاهُنَا وتنكيرهما للتفخيم.
قوله: (للذين علمت منهم التَّوْبَة) إشَارَة إلَى فَائدَة ذكر العلم، والْمُرَاد تعلق علمه بوقوع
التَّوْبَة تعلقًا حادثًا لا تعلقه بأن التَّوْبَة ستوجد تعلقًا قديمًا فإن ترتب الْمَغْفرَة عَلَى الأول دون
الثاني. والْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: فاغفر فارحم بالْمَغْفرَة للإشَارَة إلَى فَائدَة ذكر الرحمة كالعلم.
قوله: (واتباع سبيل الحق) إشَارَة إلَى أن إضافة السبيل إليه تَعَالَى للتَّشْريف، والْمُرَاد سبيل
الحق وهو دين الْإسْلَام وظاهره أن استغفارهم مختص بمن تاب مع أن قَوْلُه تَعَالَى:
(ويستغفرون) عام عَلَى أن الْمُرَاد به الشفاعة للأموات الَّذينَ لا يتوقع منهم التَّوْبَة
والتَّخْصِيص بالأموات التائبين لا يناسب عموم الرحمة، فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إن الشق الآخر مَحْذُوف
مثل قوله: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) وإنما حذف للعدول إلَى أقوى الدليلين وهو
العقل وإن أريد التَّوْبَة عن الشرك كما يؤيده قوله: (واتبعوا سبيلك) فلا إشكال في
العموم أصلًا ويناسبه كونه بيانًا لقوله (ويستغفرون للذين آمنوا) الخ.
قوله: (واحفظهم عنه وهو تصريح بعد إشعار للتأكيد والدلالة على شدة العذاب) إذ
الدعاء بالْمَغْفرَة مستلزم له للتأكيد فهو كالبيان بعد الإجمال وهو أوقع في النفوس والأذهان.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
منه التَّوْبَة عن المعاصي والكفر جَميعًا كما هُوَ قضية مذهبه يؤيد هذا التأويل قوله في سورة الشورى
[ألا ترى] إلَى قَوْله في سورة المؤمن (ويستغفرون للذين آمنوا) وحكاية عنهم
(فاغفر للَّذينَ تابوا واتبعوا سبيلك) كَيْفَ وصفوا المستغفر لهم بما يستوجب الاستغفار كما تركوا
الَّذينَ آمنوا من المصدقين طمعًا في استغفارهم فَكَيْفَ بالكثرة وقوله: (ويستغفرون) .
هاهنا لمن في مثل حالهم وصفتهم أي في الطهارة عن أرجاس الشرك وأوضار الذنوب والمعاصي
وغير التائب ليس بظَاهر، ثم قال صاحب الكَشَّاف فإن قلت: فما الفَائدَة في استغفارهم لهم وهم تائبون
صالحون موعودون الْمَغْفرَة واللَّه لا يخلف الميعاد؟ قلت هذا بمنزلة الشفاعة وفائدته زيادة الكرامة
والثواب. وقال صاحب الانتصاف أخطأ الزَّمَخْشَريُّ في هذا المقام من وجوه مراعاة المصلحة واعتقاد
امتناع غفران الكبائر بلا توبة واعتقاد وجوب التَّوْبَة عَلَى الله وجحد الشفاعة وأقبح ما فيه الْمُرَاد
بالاستغفار زيادة الكرامة مع أن صريح المسئول هو الْمَغْفرَة ووقاية الجحيم.
قوله: وهو تصريح بعد إشعار. فإن الدعاء بالْمَغْفرَة لهم مشعر بالدعاء لهم بالتقية عن عذاب