(1 - ذكر الله عزّ وجل في الابتداء أن هذا الكتاب تنزيله، وذكر مجموعة من أسمائه عزّ وجل، وذكر ذلك كله بصيغة تقريرية تشير إلى أن هذا الموضوع حقيقة مقررة مقطوع بها، ومن ثم قال بعد ذلك: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ...
2 -في ذكر مجموعة الأسماء لله التي صدرت بها السورة إشارة إلى مظهر من مظاهر التدليل على كون هذا القرآن من عند الله. فكتاب يصف الله عزّ وجل بمثل هذا الكمال لا يمكن أن يكون مكذوبا على الله. وكتاب تظهر فيه آثار هذه الأسماء من علم وحكمة، وعزّة وغفران، وشدة عقاب، وكثرة إنعام، دليل على أنه من عند الله؛ إذ الكلام تظهر فيه صفات المتكلّم وخصائصه. فعند ما يقول الله عزّ وجل بعد ذلك ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا .. فلأن الحجة قد ذكرت من قبل.
3 -إذا تذكرنا أن محور سورة غافر هو قوله تعالى من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ نعرف سرّ مجيء قوله تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا .. وأنّ هؤلاء المتّصفين بهذه الصفة هم الذين لا يفلح معهم الإنذار. وقد فصّلت الآيات الأخيرة نوعي العذاب العظيم الذي يستحقه هؤلاء
في الدنيا والآخرة.
4 -في قوله تعالى: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ درس للنذير الذي يرى أن إنذاره لا ينفع في هؤلاء الكافرين، ألّا يغتر بما هم فيه من متع الدنيا، فالعبرة للعاقبة في الدنيا والآخرة.
5 -نلاحظ من الآيات التي مرّت معنا في سورة غافر: أن آيتين منها فصّلتا في الآيات الأربع الأولى من سورة البقرة. وأن الآيات الثلاث التالية فصّلت في الآيتين اللاحقتين من سورة البقرة. وهذا شيء سنراه كذلك في الآيات اللاحقة، أن التفصيل يتناوب بين آيات المتقين من سورة البقرة، وآيتي الكافرين منها. فقوله تعالى:
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غافِرِ الذَّنْبِ ... يفصّل في قوله تعالى: