[قريش: 1] وتسأل عن العلة، فإنْ فصلتَ العلة هنا عن المعلول، فجاء كل في سورة إلا أنهما في نسَق واحد، وسبق أن أوضحنا أن سور القرآن كله قائمة على الوصل فتقرأ:
{فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: 5] بسم الله الرحمن الرحيم
{لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1] .
فإنْ قلتَ: لماذا لم تأتِ في سورة واحدة؟ لماذا جاءت العلة في سورة والمعلول في سورة أخرى؟ قالوا: الفصل بين الشيء وسببه ليكون الشيء له حكم، والسبب له حكم.
إذن: جعلهم كعصف مأكول لئلا تزولَ الكعبة ولو زالت الكعبة لزالتْ سيادة قريش ومهابتها، فأبقى الله لهم السيادة والمهابة ليتنقلوا بين الشمال والجنوب لا يجرؤ أحد على التعرض لهم، وسوف يترتب على ذلك قوام حياتهم فيطعمهم من جوع، ويُؤمّنهم من خوف، يُطعمهم بالتجارة وحركة البيع والشراء، ويُؤمنهم بألاَّ يتعرض لهم أحدٌ بسوء.
ثم يوضح علة ذلك فيقول:
{فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 3 - 4] فهم يتقلبون في نعمة الله، وكان عليهم ألاَّ يكفروها.
فقوله تعالى: {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ} [غافر: 4] لأن الله تعالى لم يهملهم إنما فقط يمهلهم.
فإنْ قلتَ: فما حكمة الإمهال؟ يعني: ما دام أن الله تعالى لم يهملهم، فلماذا لم يأخذهم من البداية؟
قالوا: لأن الله تعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل وجعل دينه خاتم الأديان ومهيمناً على الزمان والمكان، فلا نبيَّ بعده وللرسول مدة ينتهي فيها دوره في الحياة، وينتقل إلى الرفيق الأعلى، ثم يحمل رسالته من بعده جنود الحق الذين محَّصتهم الشدائد.
لذلك قلنا: إن صناديد الكفر الذين عذّبوا المسلمين الأوائل واضطهدوهم كانوا فيما بعد من جنود الإسلام، لماذا؟ لأن هذا الاضطهاد وهذا التعذيب هو الذي محَّص المسلمين وأبعد ضعاف الهمة وضعاف الإيمان الذين فتنهم التعذيب، وأرهبهم الاضطهاد حتى لم يَبْقَ في ساحة الإيمان إلاَّ الأقوياء الجديرون بحمل هذه الرسالة وتحمُّل تبعاتها، لأنها رسالة خالدة باقية في الزمان والمكان كله.
فالحق سبحانه ما أهمل الكفار إنما أمهلهم لمهمة، هي أنهم سيساهمون في تربية هذا الجيل الذي سيحمل دعوة الله:
{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ ..} [الأحزاب: 39] .