فالحق سبحانه وتعالى ينكر عليهم أنْ يتخذوا الشفعاء من دون الله، ويدعوهم أن يرتجعوا عن هذا الأمر المؤسف، لأن اتخاذ الشفعاء من دون الله أمر فيه تناقض لأنهم شفعاء عند مَنْ؟ عند الله، كما قالوا:
{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] إذن: اتخذوا الشفعاء ليشفعوا لهم عند الله، فلماذا لا يتجهون إلى الله مباشرة دون واسطة؟
ثم إن الشفاعة لا تُقبل إلا بشروطها، وليس كل مَنْ أحبَّ أن يشفع تُقبل شفاعته، فالشفاعة ليستْ بمرادك، بل يُشترط في الشفاعة أنْ يأذن الله للشافع أنْ يشفع، وأنْ يرضى عن المشفوع له، وأنْ يكون من أهل التوحيد، إذن: هذه الشفاعة التي يرجونها شفاعة باطلة ولا تُقبل عند الله.
لكن لماذا لا يتوجَّهون إلى الله بالعبادة دون واسطة؟ قالوا: لأن للحق سبحانه وتعالى في عبادته تكاليف قد تشقّ على النفس، وللمنهج قيود افعل كذا ولا تفعل كذا، وهم يريدون تديناً بلا تكاليف، وآلهة بلا منهج وبلا أوامر، صحيح أنهم يعبدون الأصنام على هواهم. لكن إنْ حزبهم أمر وضاقتْ عليهم السبل في أنفسهم لجئوا إلى الله الإله الحق، إذن: أُوبُوا إلى الله قبل ألاَّ ينفع المآب.
وكلمة الشفاعة منها الشفع والوتر، الشفع أنْ تضم وتراً إلى وتر، فيصيران شفعاً. يعني: زوجاً. وقلنا: إن المستشرقين وقفوا عند آيتين من كتاب الله في مسألة الشفاعة، وحاولوا أنْ يثيروا حولهما شبهة عدم بلاغة القرآن، وهما قوله تعالى:
{وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48] .
والأخرى:
{وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 123] .
وقالوا: أي الآيتين أبلغ من الأخرى؟ فإنْ كانت إحداهما بليغةً فالأخرى إذن غير بليغة، ثم ما الحكمة من التقديم والتأخير في الآيتين، والمعنى واحد؟
وهذا كله من هؤلاء نتيجة عدم فَهْم اللغة، وعدم وجود الملكة التي تتذوَّق وتفهم عن الله.
ونقول: أنتم أهملتم صدر الآية
{وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ}