{إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ} [ص: 14] كما أن قومك كذبوك، {فَحَقَّ عِقَابِ} [ص: 14] ؛ أي: فوجب عليهم عذابي؛ ليكونوا مظهر قهري، ومطلب نار غضبي، {وَمَا يَنظُرُ هَا ؤُلآءِ} [ص: 15] كلهم، {إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً} [ص: 15] أثراً من أثار قهرنا، {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} [ص: 15] راحة وخلاص، وبقوله: {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: 16] ، يشير إلى أن النفوس الخبيثة السفلية تميل بطبعها إلى السفليات؛ وهي في الدنيا لذائذ الشهوات الحيوانية، وفي الآخرة دركات أسفل سافلين جهنم، كما أن القلوب العلوية اللطيفة تميل بطبعها إلى العلويات؛ وهي في الدنيا حلاوة الطاعات ولذاذة القربات، وفي الآخرة درجات أعلى علِّيِّين الجنان، وكما أن الأرواح القدسية تشتاق بخصوصيتها إلى شواهد الحق، ومشاهد أنوار الجمال والجلال، ولكل من هؤلاء الأصناف جذبة بالخاصية من جاذبة بلا اختيار: كجذبة المغناطيس للحديد، وميلان طبع الحديد إلى المغناطيس من غير اختيار بل باضطرار، {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [ص: 17] فيما يلتمسون من تعجيل العذاب، فعن قريب سينزل الله نصرك يا محمد ويعطيهم سؤلهم.
ثم أخبر عن توبة داود وأوابته بقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 17] ، يشير إلى كماليته في العبودية بأنه لم يكن عبد الدنيا ولا عبد الآخرة، وإنما كان عبدنا خالصاً مخلصاً، وله قوة في العبودية ظاهراً وباطناً:
فأما قوته في الظاهر: فبأنه قتل جالوت وجنوده بثلاثة أحجار رمياً إليهم.
وأما قوته في الباطن: إنه كان أوّاباً، وقد سرة أوابيته في الجبال والطير فكانت تأوّب معه.