{كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ} [ص: 3] عند هجوم البلاء، {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} [ص: 3] إذ فات وقت الإشكاء، {وَعَجِبُوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} [ص: 4] ولم يعجبوا أن يكون المنحوتات آلهة، وهذه مناقضة ظاهرة، فلما تحيروا في شأن أنبيائهم رموهم بالسحر، {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [ص: 4] ، والإشارة في هذا أنهم لما كان منحرف مزاج القلوب بمرض نسيان الحق، جاءت النبوة على مذاق عقولهم المتغيرة سحراً، والصديق كذاباً، ومن حول نظرهم رأوا الإله الواحد آلهة، وقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِداً} [ص: 5] ولم يعلموا أنهم جعلوا الإله الواحد آلهة، {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] ، لم تباشر خلاصة التوحيد قلبهم، وتعدوا عن ذلك تجويزاً، فضلاً عن أن يكون إثباتاً وحكماً، فلا عرفوا الله ولا معنى الإلهية، فإن الإلهية؛ هي القدرة على الاختراع، وتقدير قادرين على الاختراع غير صحيح لما يجب من وجوده المانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع من كمالها، ولو لم يكونا كمالي الوصف لم يكونا إلهين، وكل أمر جر تنويه بسقوطه مطوع باطل بقوله: {وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاْصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ} [ص: 6] ، يشير إلى: إن الكفار إذا تواصلوا فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمنون أولى بالصبر على عبادة معبودهم، والاستقامة في دينهم، بل الطالب الصادق، والعاشق الوامق أولى بالصبر والثبات على قدم الصدق في طلب المعبود المحبوب المعشوق، {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6] في الزل في المقبول والمردود.