"قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى / يا محمد ؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب ، فقالها ثانية ، فقلت: أنت أعلم يا رب . فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي ، فعلمت ما في السماء والأرض . فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد ؟ قلت: في الكفارات ، فقال: وما الكفارات ؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام غلى الجماعات ، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات ، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير ، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه".
وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى . فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش . وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم (بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك) .
ثم قال: {إِن يوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} ، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه ، و"أنما"اسم ما لم يسم فاعله.
قوله: تعالى ذكره: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} ، إلى آخر السورة - أي ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك للملائكة {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ} ، يعني بذلك خلق آدم صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} ، أي: سويت خلقه وصورته ونفخت فيه من روحي ، قال الضحاك: من روحي: من قدرتي.
والأحسن في هذا وما جانسه أن يقال: إنه تعالى أضاف الروح إلى نفسه لأنه إضافة (خلق إلى خالق) . فالروح خلق الله أضافه إلى نفسه ، على إضافة الخلق إلى الخالق ، كما يقال: {هذا خَلْقُ الله} [لقمان: 11] و {أَرْضُ الله} [النساء: 97] و"سماء الله"، وشبهه كثير في القرآن ، فهو كله على هذا المعنى . هذا قول أهل النظر والتحقيق فافهمه .