وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ...(72)
إضافة الروح إلى نفسه كإضافة خلق من خلائقه إليه؛ إذ الروح خلق من خلائقه كسائر الخلائق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) .
لولا صرف أهل التأويل سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود وإلا كنا نصرفه لآخر: إلى الخضوع له والاستسلام، كما أحوج الملائكة إلى معرفة هذه الأسماء إلى آدم وبه عرفوها حيث قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ) ، لكن صرف أهل التأويل سجود الملائكة إلى حقيقة السجود له جائز؛ لأنهم ممتحنون بالأمر والنهي وقد بينا ذلك فيما تقدم.
ثم استثنى إبليس من الملائكة وأخبر أنه استكبر وأبي أن يسجد له حيث قال - عز وجل -: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) .
على قول من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، فلما أبى السجود، خذله ووكله إلى نفسه صار كافرًا؛ ليعلم أن كل أحد وإن عظم قدره وجلت منزلته يحتمل خلاف ما هو عليه وضده، وأنه متى امتحنه بأمر فترك أمره؛ تكبرًا أو استخفافًا - خذله ووكله إلى أمره ونفسه فصار كافرًا مخذولًا حقيرًا؛ ليكونوا أبدًا على حذر وفزع إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - على ما أخبر من عظم قدر الملائكة عند اللَّه وجليل منزلتهم عنده إذا خذلهم ووكلهم إلى أنفسهم صاروا كما صار إبليس، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) .
أي: كان في علم اللَّه أنه يكفر.
أو كان بمعنى صار من الكافرين إذ أبى السجود واستكبر؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ - لآدم: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) ، أي: تصيرا من الظالمين، واللَّه أعلم.