وقرأ عاصم وحمزةُ برفعِ الأولِ ونصبِ الثاني . فَرَفْعُ الأولِ من أوجهٍ ، أحدها: أنه مبتدأ ، وخبرُه مضمرٌ تقديرُه: فالحقُّ مني ، أو فالحقُّ أنا . الثاني: أنه مبتدأ ، خبرُه"لأملأنَّ"قاله ابن عطية . قال:"لأنَّ المعنى: أنْ أَمْلأَ". قال الشيخ:"وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأنَّ لأملأنَّ جوابُ قسمٍ . ويجب أَنْ يكونَ جملةً فلا تتقدَّرُ بمفردٍ . وأيضاً ليس مصدراً مقدراً بحرفٍ مصدري والفعل حتى يَنْحَلَّ إليهما ، ولكنه لَمَّا صَحَّ له إسنادُ ما قَدَّرَ إلى المبتدأ حَكَمَ أنه خبرٌ عنه"قلت: وتأويلُ ابنِ عطيةَ صحيحٌ من حيث المعنى لا من حيث الصناعةُ .
الثالث: أنه مبتدأٌ ، خبرُه مضمرٌ تقديرُه: فالحقُّ قَسَمي ، و"لأملأنَّ"جوابُ القسم كقوله: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72] ولكنَّ حَذْفَ الخبرِ هنا ليسَ بواجبٍ ، لأنه ليس نصاً في اليمين بخلافِ لَعَمْرك . ومثلُه قولُ امرئ القيس:
3882 فقلت يمينُ اللَّهِ أبْرَحُ قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي
وأمَّا نصبُ الثاني فبالفعل بعدَه . وقرأ ابنُ عباس ومجاهد والأعمش برفعهما . فرفْعُ الأولِ على ما تقدَّم ، ورفعُ الثاني بالابتداءِ ، وخبرُه الجملةُ بعده ، والعائد محذوفٌ كقولهِ تعالى في قراءةِ ابنِ عامر: {وَكُلٌ وَعَدَ الله الحسنى} وقول أبي النجم:
3883 قد أصبَحَتْ أمُّ الخيارِ تَدَّعي ... عليَّ ذَنباً كلُّه لم أَصْنَعِ
ويجوز أَنْ يرتفعَ على التكريرِ عند الزمخشري وسيأتي . وقرأ الحسنُ وعيسى بجرِّهما .