أقول - أي: الشهاب: أطال بلا طائل؛ لتوهمه أن السجع كالشعر، لالتزام تقفيته ينافي جزالةَ المعنى وبلاغته، لاستتباعه للحشو المخل، وأن الإعجاز بمخالفته لأساليب الكلام، فشنَّع على هؤلاء الأعلام وليس بشيء، والعجب منه أنه ذكر كلام الباقلاني مع التصريح فيه بأنه من السلف مَن ذهب إليه، والحق أنه في القرآن من غير التزام له في الأكثر، وكأن مَن نفاه نفَى التزامه أو أكثريته، ومَن أثبته أراد وروده فيه بالجملة، فاحفظه، ولا تلتفت لما سواه، وهذا ينفعك، والذي عليه العلماء أنه تُطلق الفواصلُ عليه دون السجع". انتهى من كلام الشهاب."
المرجح إذًا من ذلك والأولى كما قال العلماء أن نقول عما جاء في القرآن على هيئة السجع فواصل؛ تأدبًا مع كلام ربنا - سبحانه وتعالى - ولنا في إمام مدرسة المتأخرين الإمام السكاكي القدوة، حيث عدل في كتابه (المِفتاح) عن المصطلحات البلاغية التي رسخت في أذهان السابقين، مثل"المغالطة"عند الشيخ عبد القاهر، فإن السكاكي سماها"أسلوب الحكيم"؛ لأنه ورد في الذكر الحكيم، وكذا"تجاهل عارف"سماه السكاكي"سَوْق المعلوم مساقَ غيره"؛ لوجوده في كلام العليم الخبير. والفاصلة أولى من السجع؛ لورودها في القرآن كثيرًا: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} (فصلت: 3) {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود: 1) . والحق أن إيثار التعبير بالفواصل القرآنية فيه خروج من هذا الخلاف الشكلي حول إطلاق السجع على الفاصلة القرآنية، وقد رأيتَ ما يحدثه تلازمُ الفواصل من إثارة الشعور، ودفع الملل، وجذب المخاطبين، وبخاصة في هذه البيئة الشاعرة التي نزل فيها القرآن الكريم.