"العلمُ علمانِ ، فعلم في القلب ، فذاك العلمُ النافعُ ، وعلمٌ على اللسانِ ، فذاك حجةُ اللهِ على ابنِ آدم".
الوجه الرابع: أنَّ كثيرًا من الذنوبِ قد يكونُ سببُ وقوعِهِ جهلَ فاعلِهِ بحقيقةِ
قبحه وبُغضِ اللَّهِ له وتفاصيل الوعيدِ عليه وإنْ كانَ عالمًا بأصل تحريمه وقبحِه
لكنَّه يكونُ جاهِلاً بما وردَ فيه من التغليظ والتشديد ونهايةِ القبح ، فجهلُه
بذلكَ هو الذي جرَّأهُ عليه وأوقعه فيه ، ولو كان عالمًا بحقيقةِ قبحِهِ لأوجبَ
ذلك العلمُ تركَهُ خشيةً من عقابِهِ ، ولهذا كان القولُ الصحيحُ الذي عليه
السلفُ وأئمةُ السنةِ أنه يصحُّ التوبةُ من بعضِ الذنوبِ دون بعضٍ خلافًا
لبعضِ المعتزلةِ ، فإنَّ أحدَ الذنبينِ قد يَعلمُ قبحَه فيتوبُ منه ويستهينُ بالآخرِ
لجهلِهِ بقبحِهِ وحقيقةِ مرتبتِه فلا يقلعُ عنه ، ولذلك قد يقهرُهُ هواهُ ويغلبُه في
أحدِهما دون الآخر فيقلعُ عما لم يغلبْه هواه دون ما غلبه فيه هواهُ ، ولا يقالُ
لو كانتِ الخشية عندَهُ موجودةً لأقلعَ عن الجميع ، لأن أصلَ الخشيةِ عنده
موجودةٌ ، ولكنها غيرُ تامةٍ ، وسبب نقصها إما نقصُ علمِهِ ، وإما غلبةُ
هواه ، فتبعُّضُ توبتِه نشأ من كونِ المقتضِي للتوبةِ من أحدِ الذنبين أقوى من
المقتضي للتوبةِ من الآخرِ ، أو كونِ المانع من التوبةِ من أحدِهما أشدَّ من
المانع من الآخرِ.
الخامس: أنَّ كل ما علمَ عِلمًا تامًّا جازِمًا بانَّ فعلَ شيئًا يضرُّه ضررًا راجحًا
لم يفعلْه ، فإنَّ هذا خاصةُ العاقلِ ، فإنَّ نفسه تنصرفُ عمَّا يعلمُ رجحانَ ضررهِ
بالطبع ، فإنَّ اللَّه جعلَ في النفس حبًّا لما ينفعُها وبغْضًا لما يضرُّها ، فلا يفعلُ
ما يجزم بأنه يضرُّها ضررًا راجحًا ، ولا يقعُ ذلك إلا مَعَ ضعيفِ العقلِ ؛ فإنَّ
السقوطَ مَنْ موضع عالٍ ، أو في نهر مغرقٍ ، والمرورَ تحتَ حائطٍ يُخشى