ارتكابِ نهيهِ ، والتفريطِ في أوامره ؛ هو أصلُ العلم النافع ، ولهذا قالَ طائفةٌ
من السلفِ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وسفيان بن عيينةَ:
"أعجبُ الأشياءِ قلبٌ عَرَفَ ربَه ثمَ عصاهُ".
وقال بشرُ بنُ الحارثِ:"لو يفكرُ الناسُ في عظمةِ اللَّهِ لما عصوا اللَّه"
وفي هذا المعنى يقولُ الشاعرُ:
فواعجبًا كيف يُعصى الإله ... وكيفَ يجحدُهُ الجاحدُ
وللَّهِ في كلِّ تحريكةٍ ... وتسكينةٍ أبدًا شاهِدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدل على أنَه واحِدُ
الوجه الثاني: أنَّ العلمَ بتفاصيلِ أمرِ اللَّهِ ونهيه ، والتصديقَ الجازمَ بذلك.
ومما يترتبُ عليه من الوعدِ والوعيدِ والثوابِ والعقابِ ، مع تيقنِ مراقبة اللَّهِ
واطِّلاعهِ ، ومشاهدَتِهِ ، ومقتِهِ لعاصِيهِ وحضورِ الكرامِ الكاتبينَ ، كلُّ هذا
يوجبُ الخشيةَ ، وفعلَ المأمورِ وتركَ المحظورِ ، وإنَّما يمنعُ الخشيةَ ويوجبُ
الوقوعَ في المحظوراتِ الغفلةُ عن استحضارِ هذه الأمورِ ، والغفلةُ من أضدادِ
العلمِ ، والغفلةُ والشهوةُ أصلُ الشرِّ ، قالَ تعالى:
(وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28) .
والشهوةُ وحدُها ، لا يستقلُّ بفعلِ السيئاتِ إلا مع الجهلِ ، فإنَّ صاحبَ الهوى لو استحضرَ هذه الأمورَ المذكورةَ وكانتْ موجودةً في ذكره ، لأوجبتْ له الخشيةَ القامعةَ لهواهُ ، ولكنَّ غفلتَه عنها مما يوجبُ نقصَ إيمانِهِ الذي أصلُه التصديقُ الجازمُ المترتبُ على
التصورِ التامِ ، ولهذا كان ذكرُ اللَّهِ وتوحيدُه والثناءُ عليه يزيدُ الإيمانَ ، والغفلةُ والإعراضُ عن ذلك يضعفُهُ وينقصُهُ ، كما كان يقولُ منْ يقولُ من الصحابةِ:
"اجلسُوا بنا نؤمنُ ساعة".
وفي الأثرِ المشهورِ عن حماد بنِ سلمةَ عن أبي جعفرٍ الخطميِّ عن جدِّه
عميرِ بن حبيبٍ وكان من الصحابةِ ، قال: