الفقهاء وهُوَ يشبهُ قولَ من يقولُ إنَّ دلالتَها بطريقِ المفهومِ فإنَّ أكثرَ دلالاتِ
المفهومِ بطريقِ الظاهرِ لا النَّص ، وظاهرُ كلامِ كثيرٍ من أصحابنا وغيرِهِم ، أنَ
دلالتَها على النَّفي والإثباتِ كليهما بطريقِ النَّصِ لأنَّهم جعلُوا"إنَّما"كالمسْتَثْنى والمستثنى منه سواء وعندهم أنَ الاستثناءَ منَ الإثباتِ نفْيٌ ومنَ النفي إثْباتٌ ، نصًّا لا محلاً.
وأمَّا من قالَ: إنَّ الاستثناءَ ليسَ لإثباتِ النقيضِ بَلْ لرفع الحكْمِ إما مطلقًا
أوْ في الاستثناءِ منَ الإثباتِ وحده كما يُذكرُ عن الحنفيةِ وجعلُوه من بابِ
المفهومِ الذي ينفونَهُ ، فهُوَ يقولُ ذلكَ في"إنَّما"بطريقِ الأوْلَى فظَهَرَ بهذا أنَّ
المخالف في إفادَتِهَا الحصرَ هوَ من القائلينَ بأنَّ دلالتَها على النفيِّ بالمفهومِ وهم
قسمان:
أحدهما: مَنْ لا يَرى كونَ المفهومِ حُجَّةً بالكليةِ كالحنفيةِ ، ومَنْ وافقَهُم منَ
المتكلمينَ.
والثاني: مَنْ يراهُ حجةً من الجملةِ ، ولكنْ ينفيه هَاهُنا لقيامِ الدليلِ عندَهُ على
أنَّه لا مفهومَ لها ، واختارَهُ بعضُ المتأخرينَ منْ أصحابِنا ، وغيرِهم ، وبيانُ
ذلكَ أنَّ"إنَّما"مركبةٌ منْ"إنَّ"المؤكدةِ و"ما"الزائدةِ الكافةِ فيُستفادُ التوكيدُ منْ"إنَّ"والزائدُ لا معنى له نعم أكثرُ ما يُقالُ"إنَّ"تفيدُ تقويةَ التوكيدِ كما في الباءِ الزائدةِ ونحوها ، فأمَّا أنْ يُحدِثَ معنًى آخرَ فلا ، وقد يعدم بيان بطلانِ
قولِ منْ ادَّعى أنَّ"ما"نافية وأنَّ النفيَ فيمَا عدا المذكورِ مُستفادٌ منها.
وأيضًا فورودُها لغيرِ الحصرِ كثيرٌ جدًّا كقولهِ تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2) .
وقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -