ثم لما ذكروا بما هو أخفى في قوله تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا) (النمل: 61) ، فإن تمهيد الأرض للسكني ، وتفجير الأنهار خلالها ، وحجز ما بين العذب والمالح من مياهها ، ليس مما ظهور الاعتبار به وبيانه في الجلاء والوضوح كخلق السماوات والأرض وإنزال الماء إلى ما في الآية ، فلما كان التذكير بما في الآية الثانية أخفى أُعقب هذا بقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النمل: 61) ، ثم تدرج الاعتبار إلى ما هو أخفى فقيل: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) (النمل: 62) ، وخفاء الاعتبار بهذا واضح ، ولا يحصل عليه إلا من أمعن النظر فيما تقدم قبله ، فأعقب هذا لخفائه بقوله: (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل: 62) ، ثم أعقب بما لا يمكن أن يتعاطاه أحد مع وضوح الأمر عند تدبره وهو قوله تعالى: (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ...) (النمل: 63) ، ذلك مما لا يتصور فيه من العاقل التسليم ، فأعقب بحسب ذلك والتفات ما قبله بقوله: (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: 63) ، ثم ختم ما قدم من هذه المعتبرات الجليلة بما لا يحصل الاعتبار إلا بعد إحكام النظر فيما قبله ، والاعتراف بما يجب لله سبحانه من الاتصاف بالعلم والقدرة ، إذ بهما وبقوبتها تَتِمُّ وتثبتت العةدة والبدأة ، إلى ما يجب له سبحانه من الصفات العُلى التي يثمر العلم بثبوتها له سبحانه النظر التام الصحيح والاعتبار بما تقدم في الآيات قبل هذه ، فلما كمل ذكر ما به (يحصل الاعتراف) والإيمان ، ويستوضح منه (أنه) سبحانه المنفرد بالخلق والأمر والمالك للدارين ، أعقب بطلب المعاند بالبرهان على ما يديعه ، فقيل: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل: 64) أي إن صدقتم أن لله شريكاً في ملكه تعالى: (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا