والجواب ، والله أعلم: أن الآية الأولى لما نبهوا فيها ذكروا بما تشهد العقول بديهياً وتعترف بدلالته - إذ لا إشكال فيه - من أن السماوات والأرض تشهد بإحكام منعتها ، وإتقان خلقها ، وما أودع سبحانه فيها من العجائب والآيات المشاهدة للعيان ، مع انسحاب التغير على جميعها وعلى ما فيها ، بأن لها موجوداً أوجدها وأحكم صنعتها وإتقانها ، وأنه لا يمكن أن أوجدت أنفسها ولا أوجدها غيرها مما يماثلها في شواهد الافتقار وانسحاب التغير ، وذلك ما لا تنفك عنه سائر الموجودات فيشهد العقل بأن لها موجداً من غير جنسها متعالياً عن شبهها. إذ لو شبهها لافتقر إلى موجد آخر ، فلبيان الأمر ما أعقبت هذه الآية الأولى بقوله: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) (النمل: 60) ، أي أن الأمر غير خاف ولكنهم يعدلون عنه ، وكذا قيل لهم في دعائهم إلى الإيمان في أول سورة البقرة حين ذكروا بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...) (البقرة: 21) إلى قوله: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 22) ، فهذا كقوله: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) من غي فرق ، لما ذكروا في الموضعين بخلق السماوات والأرض ، وإنزال الماء من السماء ، وإخراج الثمرات ، وإنبات الحدائق العجيبة ، وكانوا يتعرفون بخلقه سبحانه جميع ذلك (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (العنكبوت: 61) ، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (العنكبوت: 63) ، فاعترافهم بهذا ثم يجعلون له تعالى الند والشريك عدول واضح بعد قيام الحجو عليهم ، فقيل هنا: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) .