ومعنى: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60] العدل معلوم أنه صفة مدح فساعةَ تسمع {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60] قد تظن أنها صفة طيبة فيهم ، لكن لا بُدَّ في مثل هذا اللفظ من تدقيق ؛ لأنه يحمل معاني كثيرة . نقول: عدلَ في كذا يعني: أنصف ، وعدل إلى كذا يعني: مال إليه ، وعدل عن كذا: يعني: تركه وانصرف عنه ، وعدل بكذا ، يعني: سوَّى .
فالمعنى هنا {يَعْدِلُونَ} [النمل: 60] عنه ، ويا ليتهم يعدلون عنه فحسب ، إنما يعدلون عنه إلى غيره ، ويسوّون به غيره ، كما قال سبحانه في موضع آخر: {الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] .
أي: يسوُّونه سبحانه بغيره .
ثم يقول الحق سبحانه: {أَمَّن جَعَلَ الأرض}
لما تكلم الحق سبحانه في الآية السابقة عن السماوات والأرض أتى بأشياء مشتركة بينهما ، فالسماء ينزل منها الماء ، والأرض تستقبل الماء ، وتنبت لنا الحدائق ذات البهجة .
أما في هذه الآية ، فالكلام عن الأرض ، لذلك ذكر لنا مسائل من خصوصيات الأرض ، {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} [النمل: 61] معنى: قراراً أي استقراراً ، حيث خلقها سبحانه على هيئة مريحة تصلح لأنْ يستقرَّ عليها الإنسان .
{وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} [النمل: 61] الماء ينزل من السماء وينتفع به مَنْ سقط عليه مباشرة ، أما ما ينزل على الجبال فيجتمع في الوديان وتُصنع له السدود لينتفع الناس به عند القحط ، ومن الماء المطر ما ينساب في مَجَارٍ تُسمَّى الأنهار .
وتستطيع أنْ تُفرِّق بين النهر والقناة الصناعية ، فالنهر ينساب الماء فيه من أعالي الجبال ، ومن أماكن متفرقة تتتبع المنخفضات والسهل من الأرض الذي يستطيع الماء أنْ يشقَّ مجراه فيه فتراه ملتوياً متعرجاً ، يدور حول الجبال أو الصخور ليشقَّ مجراه .