أما القناة الصناعية ، فتراها على هيئة الاستقامة ، إلا إذا اعترض طريق حفرها مثلاً أحد أصحاب النفوذ ، فيحملهم على تعيير المسار والانحراف به ليتفادى المرور بأرضه .
وتستطيع أنْ تلاحظ هذه الظاهرة إذا تبولْتَ في أرض رملية ونظرتَ إلى مجرى البول ، فتراه يسير متعرجاً حسب طبيعة الأرض التي يمرُّ بها .
{وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} [النمل: 61] الرواسي: هي الجبال الثابتة الراسية ، وفي موضع آخر بيَّن سبحانه الحكمة من هذه الجبال فقال: {وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] .
فالحكمة من خَلْق الجبال تثبيت الأرض حتى لا تضطرب ، ولو أنها خُلِقَتْ على هيئة الثبات والاستقرار لما احتاجتْ إلى الجبال ، إذن: هي مخلوقة على هيئة الحركة ، ولا بُدَّ لها من مُثقِّلات .
ولا تقتصر الحكمة من خَلْق الجبال على تثبيت الأرض ، إنما لها مهمة أخرى في قوله تعالى: {والجبال أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 3233] .
فكيف تكون الجبال متاعاً للإنسان وللحيوان؟
نعم ، هي متاع ؛ لأنها مخزن مياه ، حينما ينقطع المطر نجد المياه التي تساقطت على الجبال ، إما في الأنهار ، وإما في الشلالات ، وخلف السدود بين الوديان ، أو في العيون والآبار مما امتصته الأرض .
وكما أن الجبال هي مخازن للمياه ، هي أيضاً مخازن للخصوبة التي تمدُّ الأرض الزراعية عاماً بعد عام بقدر ، بحيث تستمر خصوبة الأرض ، وسبق أنْ تكلمنا عن ظاهرة التعرية التي تُفتِّت الطبقة العليا من الصخور ، فتنزل إلى الوديان مع ماء المطر ، وتختلط بالتربة الزراعية فتزيد من خصوبتها .
ولولا صلابة الجبال وتماسك صخورها لتفتتتْ في عدة سنوات ، ولفقدنا مصدر الخصوبة بعد ذلك ، فهذه الظاهرة من علامات رحمة الله بخَلْقه ؛ لأنها تتناسب مع الزيادة السكانية بحيث كلما زاد السكان زادتْ الرقعة الخصبة الصالحة للزراعة .