ثم أعرب عن إحدى العقائد الأساسية في ملة التوحيد، ألا وهي انفراد الحق سبحانه وتعالى بعلم الغيب من دون أحد من خلقه {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} ، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59] ، ومن ذلك انفراده وحده بعلم وقت الساعة المحدود، وما يصاحبها من نشر وحشر، وعرض وحساب، وثواب وعقاب {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187] {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} ولفظ"أيان"هنا بمعنى متى، وهي مركبة من أي والآن، وهو الوقت، أي لا يعرفون متى تقوم الساعة ولا متى يبعثون. وعن هذه الآية تفرع قوله تعالى في بداية هذا الثمن: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} إشارة إلى أن المشركين والكافرين والجاحدين في كل عصر اختلط عليهم الحابل بالنابل في شأن النشأة الأخرى والحياة الآخرة، وكثر منهم الخوض فيها من دون جدوى، وطال جدالهم في أمرها دون علم، فنفاها بعضهم، وشك فيها بعضهم، واستبعدها بعضهم و"العلم"
هنا بمعنى الحكم والقول، أي تتابع منهم القول والحكم في شأن الآخرة من دون الوصول إلى نتيجة، وأصل"ادراك"تدارك، أدغمت الدال في التاء وجيء بألف الوصل، وإنما تكرر في هذه الآية لفظ"بل"وهو للاضطراب، ثلاث مرات، تبعا لتقلب احوالهم، وتناقض مواقفهم، ودرجات عنادهم، وحيرتهم الناشئة عن الشرك والكفر والجحود.