وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (21: 30) أَيْ أَكَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا مَادَّةً وَاحِدَةً فَفَتَقْنَاهُمَا وَخَلَقْنَا مِنْهَا هَذِهِ الْأَجْرَامَ السَّمَاوِيَّةَ الَّتِي تُظِلُّهُمْ ، وَهَذِهِ الْأَرْضَ الَّتِي تُقِلُّهُمْ ، وَهَذِهِ الْمَادَّةُ هِيَ الْمُبَيَّنَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (41: 11) إِلَخْ .
وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ الْعَرَبُ وَلَا غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ . وَكَذَلِكَ خَلْقُ كُلِّ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ أَصْرَحُ فِي الْآيَةِ مِمَّا قَبْلَهُ .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) (51: 49) وَقَوْلُهُ: (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) (13: 3) وَهَذِهِ السُّنَّةُ الْإِلَهِيَّةُ فِي النَّبَاتِ
أَصْلٌ لِسُنَّةِ التَّلْقِيحِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنَّ الرِّيحَ تَنْقُلُ مَادَّةَ اللِّقَاحِ مِنَ الذَّكَرِ إِلَى الْأُنْثَى كَمَا تَقَدَّمَ ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى
عِدَّةُ آيَاتٍ ، أَعَمُّهَا وَأَغْرَبُهَا وَأَعْجَبُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) (36: 36) .