وقال أبو إسحاق: المعنى: فاسأل عنه خبيرًا. وهو مذهب الأخفش، وجماعة، جعلوا الباء، بمعنى عن، كقوله: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [المعارج: 1] . وأنشدوا:
وإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
أي: عن النساء، والمعنى: سل عن الله أهل العلم يخبروك، كما
قال الشاعر:
هلا سالت القوم يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
فإن قيل: هل كان يحتاج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يسأل عن الله أحدًا؟
قيل: يحتمل أن يكون الخطاب له، والمراد به غيره. ويحتمل أن يكون كقوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ} [يونس: 94] وقد ذكرنا ما قيل فيها مستقصى.
وكان ابن جرير، يذهب إلى أن الباء صلة؛ ويقول: المعنى: فاسأله خبيرًا، ويذهب إلى: أن {خَبِيرًا} منصوب على الحال.
قال أبو علي الفارسي: قوله {فَاسْأَلْ بِهِ} مثل سل عنه، فأما {خَبِيرًا} فلا يخلو انتصابه من أن يكون على أنه حال، أو مفعول به، فإن كان حالًا لم يخل من أن يكون حالًا من الفاعل، أو المفعول، فإن جعلته حالًا من الفاعل السائل لم يسهل؛ لأن الخبير لا يكاد يَسأل إنما يُسأل. ولا يسهل الحال من المفعول أيضًا؛ لأن المسؤول عنه خبير أبدًا، وليس للحال كثير فائدة. فإن قلت: يكون حالًا مؤكدة، فغير هذا الوجه إذا احتمل أولى، فيكون {خَبِيرًا} إذًا: مفعولًا به؛ كأنه قال: فأسأل عنه خبيرًا. أي. مسؤولًا خبيرًا. وكان المعنى: سل يتبين بسؤالك، وبحثك من تستخير ليتقرر عندك ما اقتص عليك من خلقه ما خلق، وقدرته على ذلك وتعلمه بالفحص عنه والتبين له، قال: ومما يقوي: أن السؤال إنما أريد به ما وصفنا، قول أمية:
وسلْ ولا بأسَ إنْ كُنتَ أمرءًا عَمِهَا ... إنَّ السؤالَ شِفا منْ كانَ حيرانَا