وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة فاطر: {وَمَا يَسْتَوِي البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12] وقوله تعالى: {مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 1920] أي لا يبغي أحدهما على الآخر فيمتزج به ، وهذا البرزخ الفاصل بين البحرين المذكور في سورة الفرقان ، وسورة الرحمن قد بين الله تعالى في سورة النمل أنه حاجز حجز به بينهما ، وذلك في قوله جل وعلا: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين حَاجِزاً أإله مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النمل: 16] وهذا الحاجز هو اليبس من الأرض ، الفاصل بين الماء العذب ، والماء الملح على التفسير الأول.
وأما على التفسير الثاني فهو حاجز من قدرة الله غير مرئي للبشر ، وأكد شدة حجزه بينهما بقوله هنا: {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} ، والظاهر أن قوله هنا: حجراً أي منعاً ، حراماً قدرياً وأن محجوراً توكيد له أي منعاً شديداً للاختلاط بينهما ، وقوله: {هذا عَذْبٌ} صفة مشبهة من قولهم: عذب الماء بالضم فهو عذب. وقوله فرات صفة مشبهة أيضاً ، من فرت الماء بالضم ، فهو فرات ، إذا كان شديد العذوبة. وقوله: وهذا ملح ، صفة مشبهة أيضاً من قولهم: ملح الماء بالضم والفتح فهو ملح.
قال الجوهري في صحاحه: ولا يقال مالح إلا في لغة ردية ا ه.
وقد أجاز ذلك بعضهم واستدل له بقول القائل:
ولو تفلت في البحر والبحر مالح... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
وقوله: أجاج: صفة مشبهة أيضاً من قولهم: أج الماء يؤج أجوجاً فهو أجاج: أي ملح مر ، فالوصف بكونه أجاجاً يدل على زيادة المرارة على كونه ملحاً ، والعلم عند الله تعالى.