قال ابن الأنباري: الطهور بفتح الطاء الاسم ، وكذلك الوضوء ، والوقود ، وبالضم المصدر ، هذا هو المعروف في اللغة ؛ وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر ، ويؤيد ذلك كونه بناء مبالغة.
وروي عن أبي حنيفة أنه قال: الطهور هو الطاهر ، واستدل لذلك بقوله تعالى: {وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} [الإنسان: 21] يعني: طاهراً ، ومنه قول الشاعر:
خليليّ هل في نظرة بعد توبة... أداوي بها قلبي عليّ فجور
إلى رجح الأكفال غيد من الظبي... عذاب الثنايا ريقهنّ طهور
فوصف الريق بأنه طهور ، وليس بمطهر ، ورجح القول الأوّل ثعلب ، وهو راجح لما تقدّم من حكاية الأزهري لذلك عن أهل اللغة.
وأما وصف الشاعر للريق بأنه طهور ، فهو على طريق المبالغة ، وعلى كل حال ، فقد ورد الشرع بأن الماء طاهر في نفسه مطهر لغيره ، قال الله تعالى:
{وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"خلق الماء طهوراً"ثم ذكر سبحانه علة الإنزال ، فقال: {لّنُحْيِيَ بِهِ} أي: بالماء المنزل من السماء {بَلْدَةً مَّيْتاً} وصف البلدة ب {ميتاً} ، وهي صفة للمذكر ؛ لأنها بمعنى البلد.
وقال الزجاج: أراد بالبلد: المكان ، والمراد بالإحياء هنا: إخراج النبات من المكان الذي لا نبات فيه {وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} أي: نسقي ذلك الماء ، قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما ، وأبو حيان وابن أبي عبلة بفتح النون من:"نسقيه"وقرأ الباقون بضمها ، و"من"في: {مِمَّا خَلَقْنَا} للإبتداء ، وهي متعلقة ب {نسقيه} ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه حال ، والأنعام قد تقدّم الكلام عليها ، والأناسيّ جمع إنسان على ما ذهب إليه سيبويه.