والنشور: بمعنى الانتشار والحركة لطلب المعاش. أي: وهو - سبحانه - الذي جعل لكم - أيها الناس - الليل «لباسا» أي: ساترا لكم يستركم كما يستر اللباس عوراتكم، وجعل لكم النوم «سباتا» أي: راحة لأبدانكم من عناء العمل. وما يصاحبه من مشقة وتعب، وجعل - سبحانه - النهار «نشورا» أي: وقتا مناسبا لانتشاركم فيه، وللسير في مناكب الأرض، طلبا للرزق والكسب ووسائل المعيشة.
وهكذا تتقلب الحياة بالإنسان وهو تارة تحت جنح الليل الساتر، وتارة مستغرق في نومه، وتارة يكدح لطلب معاشه.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً.
ثم ذكر - سبحانه - نعمته في الرياح، حيث تكون بشيرا بالأمطار التي تحيى الأرض بعد موتها، فقال - تعالى -: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ.
وبشرا: أي: مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق.
أي: وهو - سبحانه - الذي أرسل - بقدرته - الرياح لتكون بشيرا لعباده بقرب نزول رحمته المتمثلة في الغيث الذي به حياة الناس والأنعام وغيرهما.
قال الجمل: «الرياح» أي: المبشرات وهي الصبا - وتأتى من جهة مطلع الشمس - والجنوب والشمال، والدبور - وتأتى من ناحية مغرب الشمس - وفي قراءة سبعية: وهو الذي أرسل الريح .. على إرادة الجنس، و «بشرا» قرئ بسكون الشين وضمها وقرئ - أيضا - نشرا، أي: متفرقة قدام المطر.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ.
ثم ذكر - سبحانه - ما ترتب على إرسال الرياح من خير فقال: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ...
أي: وأنزلنا من السماء ماء طاهرا في ذاته، مطهرا لغيره، سائغا في شربه، نافعا للإنسان والحيوان والنبات والطيور وغير ذلك من المخلوقات.
ووصف - سبحانه - الماء بالطهور زيادة في الإشعار بالنعمة وزيادة في إتمام المنة، فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما ليس كذلك.