والأنواء أمارات بجعل الله تعالى، والأنواء النجوم التي يسقط واحد منها في جانب المغرب وقت طلوع الفجر، ويطلع رقيبه في جانب المشرق من ساعته، والعرب كانت تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقيل: إلى الطالع منها؛ لأنّه في سلطانه. وقيل: الضمير راجع إلى القرآن، والمعنى: ولقد كررنا هذا القرآن بإنزال آياته بين الناس ليذكروا به، ويعتبروا بما فيه، فأبى أكثرهم إلّا كفورًا به. وقيل: راجع إلى الريح. وقرأ عكرمة: {صَرَفناه} مخففًا، وقرأ الباقون بالتثقيل. وقرأ حمزة والكسائي {ليَذْكُروا} مخففة الذال من الذكر، وقرأ الباقون بالتثقيل من التذكر.
ومعنى الآية: وعزتي وجلالي لقد صرفنا المطر بين الناس على أوضاع شتى، فلا تمر ساعة في ليل ولا نهار إلَّا كان فيه دليل على آثار قدرتنا، فننزله على قوم ونحجبه عن آخرين، فنحن صرفناه بينهم، كما صرّفنا الليل والنهار، فالشمس تجري من عند قوم، وتذهب إلى الآخرين {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} ؛ أي: إلا أن الماء قد يكون جامدًا يشبه الحجر، وسائلا يشبه الزيت وسائر المائعات، وحينًا بخاريًا يشبه الهواء، وهو أيضًا غاد ورائح في الجو، وفي الأنهار، وفي الغدران، وفي أجسام النبات والحيوان والإنسان؛ ليذكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيشكروا, ولكن أكثر الناس أبوا إلّا جحودًا للنعمة، وكفرانًا بخالقها.
51 -ثم بين منّته على رسوله، وأنه كلفه الأحمال الثقال من أعباء النبوة؛ ليزداد شرفًا ويعظم قدرًا، فقال: {وَلَوْ شِئْنَا} ؛ أي: ولو أردنا أن نرسل رسولًا إلى أهل كل قرية {لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا} ؛ أي: لأرسلنا في كل مصر ومدينة نذيرًا؛ أي: نبيًا ينذر أهلها، وخفت عنك أعباء النبوة، ولكن بعثناك إلى القرى كلها، وحمّلناك ثقل النذارة؛ لتستوجب بصبرك ما أعددناه لك من الكرامة والمنزلة الرفيعة، فقابل ذلك بشكر النعمة، وبالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق، كما قال: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} ، وثبت في"الصحيحين":"بعثت إلى الأحمر والأسود"؛ أي: إلى العجم والعرب.