{مِمَّا خَلَقْنَا} متعلق بـ {نسقيه} {أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} بدل من محل الجار والمجرور؛ أي: ولنسقي ذلك الماء بعض خلقنا من الأنعام والأناسي، ويجوز أن يكون {أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ} مفعول {نُسقيه} ، و {مِمَّا خَلَقْنَا} متعلق بمحذوف حال من: {أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ} ؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها؛ أي: ولنسقيه أنعامًا وأناسي كثيرًا كائنات مما خلقنا. والأنعام: جمع نعم؛ وهي الأموال الراعية. والأناسي جمع إنسان كما سيأتي بسطه. و {كَثِيرًا} : صفة {أناسي} ؛ لأنه بمعنى بشرًا، والمراد بهم أهل البوادي الذين يعيشون بالمطر، ولذا نكر الأنعام والأناسي، يعني: أن التنكير للإفراد النوعي، وتخصيصهم بالذكر؛ لأن أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار والمنابع، فلا يحتاجون إلى سقيا السماء، وسائر الحيوانات من الوحوش والطيور تبعد في طلب الماء، فلا يعوزها الشرب غالبًا.
يقال: أعوزه الشيء إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه.
وخص الأنعام بالذكر؛ لأنها قنية للإنسان؛ أي: يقتنيها ويتخذها لنفسه، لا لتجارة، وعامة منافعهم ومعايشهم منوطة بها، فلذا قدّم سقيها على سقيهم،
كما قدم على الأنعام إحياءً الأرض، فإنه سبب لحياتها وتعيّشها، فانظر يا أخي كيف رتب سبحانه ذكر ما هو رزق الإنسان ورزق رزقه، فإن الأنعام رزق الإنسان، والنبات رزق الأنعام، والمطر رزق النبات، فقدم ذكر المطر، ورتّب عليه ذكر حياة الأرض بالنبات، ورتّب عليه ذكر الأنعام.
وفي"المراح": قوله: {كَثِيرًا} إما راجع للـ {أناسي} ، وذلك لأن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأنهار وينابيع الماء، فهم في غنية في شرب الماء عن المطر، وكثير منهم نازلون في البوادي، فلا يجدون المياه للشرب إلّا عند نزول المطر، وإما راجع إلى {نسقيه} ، وذلك لأن الحيوان يحتاج الماء حالًا بعد حال ما دام حيًا، وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر معين، حتى لو زيد عليه بعض ذلك .. لكان أقرب إلى الضرر، اهـ. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري وأبو مجلز والضحاك وأبو العالية وعاصم الجحدري: {وأناسِيْ} بتخفيف الياء، ورويت عن الكسائي.