قلتُ: وصفه بالطهارة إشعارًا بزيادة النعمة؛ لأن وصف الطهارة نعمة زائدة على إنزال ذات الماء، وتتميمًا للمنة المستفادة من قوله: {لِنُحْيِيَ بِهِ} ؛ {وَنُسْقِيَهُ} فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه مما يزيل طهوريته، وتنبيهًا على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها كانت بواطنهم بذلك أولى؛ لأن باطن الشيء أولى بالحفظ عن التلوث من ظاهره، وذلك لأن نظر الحق جل جلاله إلى باطن الإنسان، لا ظاهره.
49 -ثم ذكر سبحانه علة الإنزال، فقال {لِنُحْيِيَ بِهِ} ؛ أي: بما أنزلنا من السماء من الماء الطهور {بَلْدَةً مَيْتًا} ؛ أي: أرضًا يابسة، لا أشجار فيها ولا ثمار ولا مرعى، وإحياؤها: بإنبات النبات من المكان الذي لا نبات فيه. والمراد بالبلدة؛ القطعة من الأرض، عامرة كانت أو غيرها. والتذكير حيث لم يقل: بلدة ميتة؛ لأنه بمعنى البلد، أو الموضع، أو المكان، ولأنه غير جار على الفعل بأن يكون على صيغة اسم الفاعل، أو المفعول، فأجري مجرى الجامد.
وقرأ عيسى وأبو جعفر {ميّتا} بالتشديد {وَنُسْقِيَهُ} ؛ أي: نسقي ذلك الماء الطهور عند جريانه في الأودية؛ أي: اجتماعه في الحياض، أو المنابع والآبار. وسقى وأسقى لغتان بمعنى، يقال: سقاه الله الغيث وأسقى، والاسم: السقيا كما سيأتي. وقرأ عبد الله وأبو مجلز وأبو رجاء والضحاك وأبو حيوة وابن أبي عبلة والأعمش وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما {ونَسقيه} بفتح النون، ورويت عن عمر بن الخطاب.
والمعنى: أي وأنزلناه لنحيي به أرضًا طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها، وبذلك الماء يزدهر الشجر والنبات والأزهار، وذلك أشبه بالحياة للإنسان والحيوان، وأنزلناه ليشرب منه الحيوان والإنسان.