وقال ابن عطية: وقراءة الجمع أوجه؛ لأن عرف الريح متى وردت في القرآن مفردة فإنما هي للعذاب، ومتى كانت للمطر والرحمة، فإنما هي رياح؛ لأن ريح المطر تتشعب وتتداءب وتتفرق، وتأتي ليِّنة، وتأتي من هاهنا وهاهنا، وشيئًا إثر شيء، وريح العذاب تخرج لا تتداءب، وإنما تأتي جسدًا واحدًا، ألا ترى أنها تحطم ما تجد وتهدمه، قال الرماني: جمعت رياح الرحمة؛ لأنها ثلاثة: لواقح الجنوب والصبا والشمال. وأفردت ريح العذاب؛ لأنها واحدة لا تلقح؛ وهي الدبور انتهى. ولا يسوغ أن يقال: هذه القراءة أوجه؛ لأن كلاً من القراءتين متواترة.
{وَأَنْزَلْنَا} بعظمتنا. والالتفات إلى نون العظمة لإبراز كمال العناية بالإنزال؛ لأنه نتيجة إرسال الرياح {مِنَ السَّمَاءِ} ؛ أي: من جهة الفوق يعني: من السحاب {مَاءً طَهُورًا} ؛ أي: بليغًا في الطهارة، وهو الذي يكون طاهرًا في نفسه، ومطهرًا لغيره من الحدث والنجاسة. والطهور اسم لما يتطهر به كالوقود لما توقد به النار، والوضوء لما يتوضأ به؛ أي: وأنزلنا من السحاب ما تتطهرون به في غسل ملابسكم وأجسامكم، وتنتفعون به في طبخ مطاعمكم، وتشربونه عذبًا فراتًا، روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في البحر:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"أخرجه أبو داود والترمذي.
قال في"فتح الرحمن"الطهور: هو الباقي على أصل خلقته من ماء المطر والبحر والعيون والآبار، على أي صفة كان من عذوبة، وملوحة، وحرارة، وبرودة، وغيرها، وما تغير بمكثه أو بطاهر لا يمكن صونه عنه كالتراب والطحلب وورق الشجر ونحوها .. فهو طاهر في نفسه، مطهر لغيره، يرفع الأحداث ويزيل الأنجاس بالاتفاق، فإن تغير عن أصل خلقته بطاهر يغلب على أوصافه يستغني الماء عنه غالبًا .. لم يجز التطهير به عند الثلاثة، وجوّز أبو حنيفة رحمه الله الوضوء بالماء المتغير بالزعفران ونحوه من الطاهرات، ما لم تزل رقته، وقال أيضًا: يجوز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد ونحوهما، وخالفه الثلاثة ومحمد بن الحسن وزفر كما فصل في الفقه.
فَإِنْ قُلْتَ: لم وصف الماء بالطهور مع أن وصف الطهارة لا دخل له في ترتيب الأحياء والسقي على إنزال الماء؟