هل لهذا سبب؟ قال: نعم! إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل وكثيرا من كتب الأنبياء، فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت أنه من عند الله، فأسلمت، قال: ما هذه الآية؟ قال: قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ في الفرائض وَرَسُولَهُ في السنن وَيَخْشَ اللَّهَ فيما مضى من عمره وَيَتَّقْهِ فيما بقي من عمره فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ والفائز: من نجا من النار، وأدخل الجنة. فقال عمر: قال النبي صلّى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي: «أوتيت جوامع الكلم» .
وأما المنافقون فيقسمون بالله تعالى أغلظ الأيمان، وطاقة ما قدروا أن يحلفوا على أنهم يجاهدون مع النبي صلّى الله عليه وسلم في المستقبل ويطيعونه فيما أمر، ولكن أيمانهم كاذبة، لذا نهاهم الله تعالى عن هذا القسم القبيح الكاذب، وأمرهم بالطاعة المعروفة المعتادة لدى المؤمنين، وهي النابعة من إخلاص القلب، ولا حاجة بعدئذ إلى اليمين، فإن الله خبير بما يعملون من الطاعة بالقول، والمخالفة بالفعل.
ثم أكد الله تعالى الأمر بطاعة أوامر الله تعالى وحكم الرسول صلّى الله عليه وسلم بإخلاص لا نفاق فيه، فإن تولوا عن الطاعة، فما على النبي صلّى الله عليه وسلم إلا تبليغ الرسالة، وما عليهم إلا الطاعة له، فإن أطاعوه اهتدوا إلى الحق، فجعل الاهتداء مقرونا بطاعته، ثم أكد أنه ما على الرسول صلّى الله عليه وسلم إلا التبليغ الواضح الذي لا شائبة فيه لكل ما كلف فيه الناس، فهو لا يحمل أحدا على الإيمان الحق، ولا يكره إنسانا على الدين القويم.
قال بعض السلف: من أمّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة لقوله تعالى: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا.
أصول دولة الإيمان
[سورة النور (24) : الآيات 55 إلى 57]