{إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ} [المؤمنون: 111] أي: الأولياء {بِمَا صَبَرُوا} على أذاكم واستهزائكم بهم {أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآئِزُونَ} [المؤمنون: 111] بالوصول والوصال، وفيه من الطرائف أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة من الخلة ينتفعون بإنكار منكريهم واستهزاء مستهزئيهم، وأهل الشقاوة كما يخسرون بمعاملاتهم الفاسدة مع أنفسهم يخسرون باستهزائهم وإنكارهم على الناصحين المرشدين.
ثم أخبر عن أحوال أهل الأهوال بقوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} [المؤمنون: 112] يشير إلى أن ما ترى الخلق من أهوال القيامة وأفزاعها فينسون ما رأوا من الراحات والشدائد، مرة مقامهم تحت الأرض من أهوال يوم الفزع الأكبر حتى يخفى عليهم كما لبثوا {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَآدِّينَ} [المؤمنون: 113] الذين يعدون أنفاسنا وأيامنا وليالينا من الملائكة الموكلين علينا (العَادِّينَ) يعني الملائكة قالوا: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} [المؤمنون: 114] بالنسبة إلى لبثكم في الجنة أو في النار أبد الآبدين {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 114] أنه لا نهاية للبثكم فيها لأصلحتم أعمالكم التي تقربتم بها إلى الله تعالى.
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} [المؤمنون: 115] أي: خلقناكم بلا معنى يضركم أو ينفعكم حتى عشتم كما تعيش البهائم فما تقربنا إلينا بالأعمال الصالحة، {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] باللطف أو القهر، فالرجوع باللطف أن تموتوا بالموت الاختياري من قبل الموت الاضطراري فيرجعوا من أسفل الطبيعة على قدمي الشريعة والطريقة إلى أعلى عليين عالم الحقيقة والرجوع بالقهر هو أن يرجعوا بعد الموت الاضطراري فتقادون إلى النار بسلاسل تعلقاتكم بشهوات الدنيا وزينتها وأغلال صفاتكم الذميمة.