ثم أخبر عن المؤمنين المشفقين، بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] يشير إلى إطراق السريرة في حال الوقوف بين يدي الله بشواهد الأدب واستيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة {وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ} أي: بما تكاشف لهم من شواهد الحق والسر والعلانية {وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] أي: في التوجه إلى حضرته بصدق الطلب لا يلتفتون إلى ما سواه من الدنيا والآخرة ومن أعظم الشرك ملاحظة الخلق في الرد والقبول والفرح بمدحهم والانكسار بذمهم، وأيضاً قصور النظر في المسار والمضار على الأسباب عند انقطاع النظر عن الله في أنه المسبب.
قال الله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] يعني: إنهم يتوهمون أن حصول الشفاء من شرب الدواء والشبع من الطعام، فإذا كان الشرب مستكناً يرد اليقين عن توهم شيء من الخذلان إلا من التقدير فحينئذ يتقي من الشرك {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} بهذه الأقدام ومنقطعون عن {َأُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [المؤمنون: 60] أي: هم المتوجهون إلى الله تعالى المعرضون عمن سواه المسارعون بقدم الصدق والسعي الجميل على حسب ما سبقت لهم من الله الحسنة {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} على قدر سبق العناية.